كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء – صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة التاسعة 6/3)

كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

 

  

 تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

 

 الحلقة التاسعة

الفصل السادس

(6/3)

 

أحد تنظيمات اليسار الكبيرة الأخرى كان الحزب السوري القومي الذي تأسـس في عام 1932على يد أنطون سعادة الماروني. دعى الحزب السوري القومي إلى توحيد ” سورية الكبرى ” لتضم كافة الأراضي ضمن ” الهلال الخصيب “، ومن العراق إلى المغرب بما في ذلك جزيرة قبرص. يرفع أعضاء الحزب أيديهم للتحية بشكل يشبه ما كان يقوم به النازيون, ويصيحون ( تحيا سورية ).*

كانت هناك ثلاث مجموعات شيوعية: الحزب الشيوعي اللبناني وهو مجموعة مؤيدة لموسكو يرأسه مسيحي أرثوذوكسي هو جورج حاوي، ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان وهي تتبع الخط الحاوي، ومجموعة تروتسكية أصغر, وكان هناك حزبان بعثيان، أحدهما يؤيد سورية والآخر العراق، وكل منهما لديه الميليشيا الخاصة به. كان ميشيل عفلق، وهو مسيحي أرثوذوكسي سوري، وهو المؤسـس السابق والمنظر الإيديولوجي لحزب البعث الأصلي في سورية خلال الأربعينات. هرب فيما بعد من دمشق وعاش في المنفى في بغداد حتى وفاته.

أنشأ الإمام موسى الصدر، قائد الطائفة الشيعية، والذي اختفى فيما بعد بينما كان في زيارة إلى ليبيا، حركة أمل. بدأ الصدر في البداية بتنظيم سياسي سُمي حركة المحرومين، وذلك أساساً لدعم اللاجئين الشيعة الذين يهجرّون من جنوبي لبنان. ولكن، مع تزايد زخم الحرب الأهلية، أصبحت أمل قوة عسكرية وسياسية رئيسية.

لقد أحصيت وبمرة واحدة حوالي ثمانية تنظيمات سياسية وعسكرية مختلفة في بيروت الغربية لوحدها. أكثر المجموعات وضوحاً في بيروت الغربية كان تنظيم المرابطون. كان المرابطون يتألفون من خليط غريب من قاطعي الطرق والطلاب الذين تركوا مقاعد الدراسة، مع وجود يتعذر تفسيره لبضعة مثقفين الذين شكلوا (المكتب السياسي ). وفوق كل ذلك، فإن المرابطين كانوا يسعون إلى الشهرة.

أسـس تنظيم المرابطون وقاده إبراهيم قليلات، وهو مدان مسبق قضى وقتاً في سجن بيروت بعدما وُجد مذنباً في مقتل ناشر صحيفة لبناني شهير. ادعى المرابطون أنهم ” ناصريون مستقلون “. ذلك كان يحمل تناقضاً في التعبير.

فبالرغم من أن جمال عبد الناصر كان قد توفي ومضى وقت طويل أُلغيت فيه سياساته بحيث لم تعد تجد أي أتباع لها في بلده مصر، فإنه في لبنان ليس أقل من أربع تنظيمات ناصرية مختلفة.

عُلقت صور شخصية ضخمة لناصر خارج المركز الرئيسي للمرابطين في شارع المزرعة. زينت صور جمال عبد الناصر مكتب قليلات ومكاتب مساعديه. أحاط قليلات نفسه بمجموعة صغيرة من المستشارين الذين تلقوا تعليمهم على يد كهان فرنسيين يسوعيين، والذين بإمكانهم الاستشهاد ببودلير بنفس السهولة التي يستشهدون فيها بناصر. أما لماذا اختار هؤلاء العمل لصالح قليلات فقد ظل أحجية حتى هذا اليوم.

كان الملحق الصحفي للمرابطين، سمير صبح، رجلاً لطيفاً وأصلع في منتصف الثلاثينات من عمره. كان صبح واحداً من قلائل الناس الذين يحاولون مساعدة الآخرين بصدق. غالباً ما كان يتصل بي ليعلمني مسبقاً بالأحداث التي تبرز المرابطين، وهو ما كان أمراً نادراً بين الملحقين الصحفيين في العالم العربي، الذي يعتقدون أن من واجباتهم المقدسة إلا يساعدوا الصحافة، أو على الأقل أن لا يفشوا بأقل ما يمكن من المعلومات.

اتصل بي سمير صبح ذات صباح ليخبرني أن المرابطين قد احتلوا لتوهم برج المر، وهو بناء غير منجز يتألف من أربعين طابقاً والأطول في تصميمه في بيروت الغربية. كان برج المر حتى ذلك الحين معقلاً للكتائب ويشكل شوكة في خاصرة بيروت الغربية كان القناصون المسيحيون يشلّون عملياً نصف بيروت الغربية من نقطة امتيازهم في الأدوار العليا من البرج، قُتل أو شُوّه عدد لا حصر له من الناس، بمن فيهم النساء والأطفال، بسبب قناصة الكتائب.

لم يشارك المرابطون عملياً في المعركة الفعلية. لم يكن لديهم ما يفعلونه بشأنها. جلس مقاتلو المرابطين في الخلف يراقبون بينما المعركة الحقيقية من أجل المبنى تدار من قبل خط صلب من مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة. تم إدخال المرابطين ليقوموا بعملية التطهير والمسح. ومن أجل استرضاء الرأي العام اللبناني، قامت الجبهة الشعبية القيادة العامة بتسليم البرج بشكل ملائم إلى المرابطين، بعد أن كان معظم القتال قد انتهى.

كانت المعركة من أجل البرج ما زالت مستمرة، وقد حذرنا سمير، ولم يكن يريد كثيراً من الصحفيين حول منطقة العمليات. ولكونه شخصاً حساساً، لم يرافقنا سمير بشكل شخصي، بل سلمنا إلى مرشد شاب لم يسبق له أن شاهد قتالاً من قبل.

اتصل سمير أيضاً مع جورج سيميريدجيان الذي كان يعمل في صحيفة النهار. اقترب ثلاثتنا من البرج من جهة المؤخرة ودخلنا إلى الطابق الأرضي حيث كانت تنتشر مواد البناء، والأخشاب، والكتل الاسمنتية، وأكياس الاسمنت حول البناء. كان إطلاق النار كثيفاً لأن المرابطين، الذين استولوا الآن على البرج، كانوا يتبادلون النار بالأسلحة اليدوية الصغيرة والقنابل اليدوية مع المقاتلين المسيحيين المتمرسين في فندقي سان جورج وانتركونتيننتال الفينيقي على بعد أقل من مئة ياردة.

كانت كلمة ” السر ” التي اخبرنا بها دليلنا الشاب، هي عبارة عن صافرتين. تويت، توووويت. الأولى قصيرة، والثانية طويلة. استمر دليلنا بصفير كلمة السر ونحن نمشي بحذر باتجاه البناء بنصف انحناءة، محاولين تصغير حجمنا وسط الضجيج الكثيف للأسلحة النارية وأنفجارات القنابل اليدوية. تويت، توووويت. ومع ذلك فقد كان من المستحيل عملياً سماع الصفير مع ضجيج المعركة المحتدمة حولنا.

كنت قد بدأت أتساءل ما الذي أفعله هنا بحق الجحيم. لقد ضمنت، وكانت تلك أخبار مهمة. إنها تشير إلى أول مقاطعة رئيسية تربحها الميليشيات المسلحة في بيروت. لقد طردوا فعلياً الميليشيات المسيحية خارج معقل رئيسي. ولكن دعونا نواجه الأمر، فتلك لم تكن ( فورت سيومنر )**. ترى من يهتم لهذا؟ هذه المعركة لا تستحق حتى نصف جملة في كتب التاريخ. ” معركة برج المرّ “. إنها عبارة لا تملك بشكل ما وقع عبارة ” معركة بلجيكا THE BATTLE OF THE BULGE1 .

وثب ثلاثة مقاتلين مقنعين ومسلحين برشاشات من نوع AK – 47S من حفر مناوشة مخفية. أمرونا بالعربية قائلين: ” كلمة السر “.

كنت أنا والدليل وسميريدجيان مصعوقين جداً بالظهور المفاجئ للرجال المسلحين وإطلاق النار حولنا بحيث جفت أفواهنا تماماً. لم يكن أي منا، ولأجل مال الدنيا كله، قادراً على الصفير. كل ما خرج من أفواهنا كان ” بف، ببفف، ببفف “. كان الشباب المسلحين يريدون سماع ” تويت، توووويت “. حاولت ثانية، لكن أفضل ما استطعت أن أتلفظ به هو: ” بف .. ببفف .. “. ولـم تـهـدأ اعـصابهم إلا بـمعـرفـة هـويـة الـدليـل بأنـه مـن الـمـرابـطيـن.

بعد أن شعروا بالرضى قاموا بإرشادنا، بينما ظلت أفواه بنادقهم موجهة إلينا، إلى البناء، وتقدموا ليفسحوا لنا المجال للبدء برحلتنا العظيمة إلى الطابق الأربعين… دون وجود مصعد. كنا مضطرين، لتفادي الرماية النارية الموجهة إلينا من الفنادق حيث ما زالت القوات المسيحية تحتفظ فيها بمواقع لها، لأن نزحف نصف طابق ومن ثم نركض إلى أعلى النصف الآخر، نزحف نصف طابق ومن ثم نركض إلى أعلى النصف الآخر وهكذا. وعندما وصلنا إلى القمة، لم أكن أعرف تماماً فيما إذا كنت أكثر تعباً أم أكثر خوفاً. كانت الصواريخ والقنابل اليدوية تضرب جانب البناء، مرسلة ارتجاجات في الكتلة البنائية كلها. شعرت وكأن هناك ما يشبه هزة أرضية تسرق مني ضوء النهار. اعتبر مقاتلو المرابطين الشبان فعلاً أن الأمر مضحك، وضحكوا وربتوا بعضهم على أكتاف بعض كلما هزت البناء ضربة جديدة.

كان المنظر من القمة رائعاً ومخيفاً في آن معاً. كانت الجبال اللبنانية المهيبة باتجاه الشرق البعيد تنحدر برشاقة نحو البحر المتوسط. بدا خليج جونيه متألقاً. عناقيد من القرى الصغيرة تصعد من الشاطئ لترتقي بلطف منحدرات التلال المكسوة بأشجار الصنوبر. بدا كل شيء من هنا هادئاَ. شكل المشهد ما يشبه بطاقة أعياد بريدية … فيما عدا بالطبع النيران التي خرجت عن نطاق السيطرة في ميناء بيروت. أعادت الغيوم الكثيفة من الدخان الأسود والرمادي المرء إلى وقائع الحرب.

كان جورج سميريدجيان رجلاً مهذباً، حلو اللسان وطيب القلب، ومستعد دائماً لمساعدة زملائه الصحفيين. كان متمرساً بالحرب الأهلية الأردنية. عاش جورج، وبعكسي، في بعض أسوأ المعارك في عمان. ظل في بيروت طيلة الحرب الأهلية اللبنانية والغزو الاسرائيلي. تعرض للاختطاف، وللضرب، وللاعتقال عدة مرات, جرح بشكل خطير عام 1976 بينما كان يقوم بتغطية القتال في منطقة الفنادق، ليس بعيداً عن المكان الذي نقف فيه الآن. خضنا أنا وجورج في الكثير من الأمور سوية وأكن له الكثير من الاحترام. كان يعتبر نفسه صحفياً قبل كل شيء.

تم إيقاف سيارة الأجرة التي وُجد فيها سميريدجيان، ذات يوم وهو عائد من وادي البقاع، من قبل مسلحين مسلمين كانوا يبحثون عن أي مسيحي لاختطافه. ثلاثة من المسافرين الذين كانوا برفقته كانوا مسيحيين لسوء الحظ وقد اجبروا على الخروج من السيارة. عندما سأل المسلمون جورج عن دينه، وهو مسيحي لبناني أرمني، أجاب: ” صحفي “. سمح له المسلمون بالذهاب.

أُطلق النار على رأس جورج سميريدجيان فيما بعد من قبل قناص في الجيش اللبناني في عام 1989 عندما كان في مهمة قرب ميناء بيروت. توفي في المشفى بعد بضعة أيام تاركاً خلفه زوجاً وابنتين شابتين.

سيطر المرابطون أيضاً على مكاتب النادي اللبناني الدولي للسيارات، وهو السلطة المخولة بمنح رخصة القيادة الدولية.

كان صديقي نيد تيمكو، الذي كان يعمل لصالح مجلة كريستيان سيبانس مونتيور ” CHRISTIAN SCIENCE MONITOR “، على وشك مغادرة بيروت إلى اسرائيل في صباح اليوم التالي عندما اكتشف أن رخصة قيادته الدولية قد انتهت صلاحياتها. أخذت نيد لرؤية سمير صبح الذي رتب تجديد رخصة نيد بينما كنا نتمتع باحتساء فنجان من القهوة في غرفة مكتبه المريح والذي فُرش بأثاث تم جلبه من فندق الهوليداي إن.

قمت، قبل بضعة أسابيع، بتغطية ” معركة الفنادق “، حيث دُعيت الصحافة المحلية لذلك. كان ” الانعزاليون”، وهو النعت الذي كان مستخدماً في بيروت الغربية لوصف الميليشيات المسيحية، و” القوى الإسلامية التقدمية وحلفائهم الفلسطينيين المرتزقة ” كما درج عليه المسيحيون في الإشارة إلى الطرف الآخر، غارقين في قتال حتى النهاية، وعلى الأقل في هذا القطاع من المدينة. كان يتم تبادل نيران المدفعية والهاون من الهوليداي إن والسان جورج. صمد الكتائب مع القوى المسيحية الأخرى في فندق الهوليداي إن المحاصر.

مقاتل فلسطيني يمشي بلا مبالاة أمام مقاتل مسيحي ميت داخل فندق هيلتون في بيروت.

 

رتب مايك روس في اتحاد الصحافة الدولية، في عصر أحد الأيام، وبينما كانت المعركة في أوج زخمها، لإقناع كريس دراك الإذاعة البريطانية في بيروت، وإقناعي لمرافقته إلى منطقة الفنادق. وافقنا أنا وكريس بافتراض أن روس كان يعمل على موضوع ساخن.

كانت القوى المسلحة اليسارية منهمكة، لعدة أسابيع، في قتال مرير لدفع المسيحيين إلى خارج منطقة الفنادق. ظننا أن روس يعلم شيئاً لم نكن نعلمه. انتقلنا ثلاثتنا بالسيارة إلى الخط الأخضر وركنا سيارتنا بالقرب من فندق السان جورج من جانب البحر. ارتدى كل من روس ودراك سترتيهما الكثيفتين والثقيلتين المضادتين للرصاص ( لم أكن أملك واحدة تلك الأيام )، وتابعنا سيراً على الأقدام. درجنا ببطء متجاوزين فندق فينيسيا انتركونتيننتال، والذي احترق كلياً الآن، وتلُفت أجزاؤه الداخلية ونُهبت. لم يتبق سوى الهيكل الفارغ. كان خادمو الفندق الذين يرتدون اللباس الموحّد، في الأيام الأفضل حالاً يقومون بالترحيب بالمسافرين، بينما كان الخدام الخصوصيون يعتنون بسياراتهم. أما الآن، فإن رجلاً مسلحاً وحيداً يجلس على كرسي البار خلف السواتر الرملية، ينظر إلى صور مصقولة لعدد قديم من مجلة ” PLAY BOY ” بينما الرصاص يتطاير فوق الرأس.

تابعنا تقدمنا الحذر باتجاه الهوليدي إن. كان الإطلاق كثيفاً جداً، لكن روس أصر على أن نتابع إلى أعلى التلة. لم نستطع لا أنا ولا درايك فهم حافز روس على رؤية المعركة من هذا القرب. كان اتحاد الصحفيين الدوليين قليل الموظفين إلى حد كبير بحيث أن مراسليهم كانوا نادراً ما يجازفون بالخروج في رحلات خارج المكتب. كانت نزهاتهم اليومية تتضمن عادة ارتداء الستر الواقية والصعود إلى سطح بناء جريدة النهار حيث كانت مكاتب الاتحاد.

أوقفنا على بعد بضعة مئات الأمتار من فندق (الهوليداي إن) رجال ميليشيا مسلحون وقد شعروا بالشك من وجود ثلاثة صحفيين غربيين يتسكعون حول المكان، واثنان منهما يرتديان سترتين مضادتين للرصاص. قررنا أن نقنع المقاتلين أننا لم نكن لا جواسيس اسرائيليين ولا كتائبيين، ولكن مجرد صحفيين يقومون بعملهم. أصر روس أن نستمر. ازدادت شدة القتال حينئذ، وبدأنا أنا ودرايك بتوقع شيء ما مشكوك بأمره فيما يخص إصرار روس. طالبنا بأن يخبرنا بالضبط عما يبغيه قبل المضي في أية خطوة أخرى. ترى ما هو الشيء الضروري جداً الذي يتطلب مخاطرتنا ثلاثتنا بحياتنا؟

أجاب روس: ” إنها قطتي. لقد تركت قطتي المسكينة في شقتي ولابد لي أن أستعيدها. ” قررنا أنا ودرايك أنه كان هناك حد لشجاعتنا ولحبنا للحيوانات. تخلينا عن روس وقمنا بتراجع سريع.

لم يكن روس شخصية ضئيلة لتردع. تابع وحده. مضى بجهد جهيد لخمسين ياردة قبل أن يقوم مسلح من المرابطين باعتقاله، وباتهامه بالتجسـس، وبنقله بعيداً للتحقيق معه. قرر روس أن يقنع معتقليه للمرة الثانية بأنه كان بالفعل وبشكل صادق مجرد صحفي، حيث قاموا بالإفراج عنه. صمم روس، بدلاً من أن يقفل عائداً، على أن ينقذ صديقته الماكرة، وطلب من المرابطين مرافقاً مسلحاً. نقلته سيارتا جيب مسلحتين بالرشاشات الثقيلة إلى شقته حيث تم إنقاذ القطة بينما كان المرابطون يؤمنون تغطية نارية. فكر في هذا الأمر في المرة القادمة التي ترى فيها رجل إطغاء ينزل قطة من أعلى شجرة.

جعل غياب القانون الكلي في بيروت، في بعض الأيام، الغرب الأمريكي المتوحش يبدو مروضاً بالمقارنة. كان القتال المسلح يندفع بين الناس من أجل الخبز، أو الغاز، أو الماء، بسهولة. ومثل اندلاع الشرارة، كانت مجرد كلمة في غير محلها كافية لأن تلهب المشاعر, والمرء يمكنه أن يكون حريصاً جداً.

وجدت نورا بستاني، مراسلة الواشنطن بوست في بيروت، نفسها وهي تقود سيارتها إلى مكتبها محشورة بسائقي سيارتين لبنانيين جاءا بالاتجاه المعاكس خطأ في شارع منحدر ضيق ذا اتجاه واحد. ورغم أنهم كانوا مخطئين بشكل واضح، فقد رفض السائق أن يتزحزح متوقعاً من نورا أن تفسح له الطريق بإرجاع سيارتها إلى الوراء، وأن تسمح له بأن يتابع طريقه.

لم يكن أمراً غير عادي في بيروت أن تتطور مثل هذه الأمور العادية إلى معارك حقيقية بما أن السائقين ينتميان إلى ميليشيات متنافسة وغالباً ما يتم استدعاؤهما من قبل قادتهم في السلاح للمساعدة . كثيراً ما كانت العلاقات فيما بين اللبنانيين على اختلاف مساراتهم وبين المجموعات الفلسطينية المسلحة متوترة، إذ لم يكن هناك سوى القليل مما يثير القتال. كانت كلمة خاطئة واحدة كافية لتدع الرصاص يتطاير.

خرجت نورا، التي كان طولها أقل من خمسة أقدام، من سيارتها الفيات البيضاء، وهي ربما أصغر سيارة ركاب قد تم صنعها، وتقدمت باتجاه السائق ملوّحة يبدها من جانب إلى آخر.

سألت بصوتها الرفيع والحاد: ” سيدي، هل أنت مسلح؟ ”

أجاب السائق الذي ارتبك من سؤالها : ” كلا “.

فأجابته نورا مضيفة إلى صوتها نوعاً من الإبتهالات المهنية التي تجعل البحار اليوناني يحمر خجلاً:  ” إذاً فلتبتعد بحق الحجيم عن طريقي ودعني أمرّ. ”

حوصر الكتائبيون المتحصنون في الهوليداي إن، لكن تبقى هناك ممر نافذ وحيد حيث كان بإمكانهم أن يجلبوا عن طريقه المؤن والذخيرة الحيّة. وهذا ما لم يكونوا بحاجة كبيرة إليه، فقد احتفل رجال الميليشيا بالاستمتاع بالكمية الكبيرة من مؤن الطعام في الفندق والتي تتضمن الكافيار والشامبانيا الفرنسية. ظننت أن ذلك سيشكل مادة تصوير جيدة.

كان على المرء كي يصل إلى الفندق المحاصر أن يعبر أولاً الخط الأخضر لبيروت الشرقية، ثم يستدير عائداً باتجاه البحر على طريق جانبي ضيق، وأن يلتصق ما أمكن بالأبنية تفادياً لنار القناصة المسلمين. الياردات المائة الأخيرة باتجاه الفندق كانت الأكثر انكشافاً والأكثر خطراً.

بدأت رحلتي الطويلة عبر المدينة، ماراً عبر العديد من نقاط التفتيش، عابراً الخط الأخضر، وماراً بطرق ملتوية خلف الأبنية. وصلت أخيراً إلى قطعة الأرض المخصصة كموقف للسيارات والتي تخدم ” كمنطقة مستأجرة ” أولئك شديدي الحاجة لأن يكملوا طريقهم إلى الهوليداي إن. هناك خيارين رئيسيين للمرء في المسافة من موقف السيارات إلى الفندق. إما أن يركض كالمجنون عبر المنطقة المكشوفة الواقعة على مرمى المرابطين في برج المرّ الذين يصوبون باتجاهك، أو أن ينتظر ناقلة الموظفين المصفحة.

انتظرت ناقلة الموظفين المصفحة. وصلت السيارة المصفحة التي يقودها درك لبنانيون مؤيدون للمسيحيين، بعد نصف ساعة. حاولت إقناع الرجال بنقلي إلى الهوليداي إن. والذي يستغرق عشر أو خمسة عشر ثانية من القيادة عبر الشارع الكبير. لم يكترثوا بالفكرة. اشتكى السائق قائلاً: ” في كل مرة نعبر فيها الشارع يطلقون النار علينا “. لكن قوة الصحافة تغلبت على مخاوفهم، وصعدت على متن السيارة. وبينما كانت البهيمة الممكننة تنطلق بسرعة قاطعة الطريق، كنا نسمع صوت الرصاص يضرب الحديد المصفح. تراجعت السيارة المصفحة بسرعة في الزقاق الضيق الذي يفصل الهوليداي إن عن فندق الانتركونتيننتال. قام أحد الجنود بفتح الباب الخلفي وأمرني بالخروج. لم نكن قد وصلنا بعد إلى داخل الهوليداي إن.

صرخت: ” هل أنت مجنون؟ سوف يطلقون النار علي، إذا ما خرجت. ”

صرخ الجندي في وجهي وهو يوجه بندقيته: ” سوف أطلق النار عليك إن لم تخرج الآن حالاً “.

” المسلمون سيصطادوننا بواسطة القذائف المضادة للدروع. أخرج حالاً! “. قفزت خارج الباب الصغير البيضوي الشكل في الخلف من المصفحة M113 وانطرحت فوق الحصى، والرمال, والزجاج المكسر المبعثر فوق الطريق. تطايرت آلات تصويري في كل الاتجاهات. زحفت جامعاً عدتي وما تبقى من كرامتي، متجاهلاً الألم والدم فوق راحة يديّ. ومندفعاً بسرعة في موقف سيارات الهوليداي إن الواقع تحت الأرض.

كانت مجموعة من مقاتلي الكتائب تراقب المشهد من مرآب السيارات الكبير المحمي والآمن حيث وجدت المشهد مسلياً. كنت فزعاً بشكل كاف بحيث أنني لم أهتم لذلك. رافقني كتائبي مسلح عبر مطابخ الفندق وصعدنا مجموعة من درجات السلالم لرؤية ” الرئيس ” الذي كان يرتاح في أحد الأجنحة الفخمة من الفندق. كان مستلقياً على سرير ويدخن سيجارة حيث دخلت إلى الغرفة. طلب أن يرى بطاقة مرور الصحفيين الكتائبية والتي أبرزتها على الفور. أخذ الرئيس نظرة على الورقة، ومن ثم أعادها إلي، وطلب مني الخروج قائلاً: ” أرموه خارجاً. أوراق اعتماده منتهية الصلاحية منذ البارحة “.

توسلت، وتملقت، وأريته راحة يدي المدمّاة، وأخبرته أي مشقة تكبدتها للوصول إلى هناك، وأنني كنت على وشك أن أُقتل وأنا أعبر الخط الأخضر. أخبرته أن صوري وقصتي سوف تبرز العالم الداخلي وكيف يقاوم هؤلاء المسيحيون الشجعان ضد الغرباء الرهيبين. لم يتحرك فيه أي شيء.

أمر الحارس قائلاً: ” اطرده حالاً وإذا ما حاول التقاط صورة، اقتله “. غادرت الفندق وبدأت رحلة عودتي الطويلة، وهذه المرة من دون حماية ناقلة الموظفين المسلحة.

(*) يرتكب هنا المؤلف خطأ فادحاً ينم عن عدم معرفة دقيقة بواقع التنظيمات السياسية على الساحة اللبنانية ( رغم أن مركز إقامته طيلة عشرين عاماً كان في لبنان ). إذ أنه يشير إلى اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي بالنص الانكليزي على أنه الحزب الشعبي السوري ” PARTI POPULAIRE SYRIEN ( PPS ). ”   إضافة إلى ذلك يشير الكاتب خطأ إلى أن دعوة الحزب تهدف إلى توحيد سورية الكبرى من العراق إلى المغرب دون دراية بأهم مبادئ الحزب والذي هو وجود الأمة السورية التي تشمل بلاد الشام والعراق ونجمتها (قبرص). ( المترجم )

(**) FORT SUMNER

(يتبع)

الحلقة العاشرة: الفصل السادس (الأحداث) 6/4

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى