نوافذ

امتلاك

اليمامة كوسى

كان وجهه ساكناً كمساءِ عيدٍ لا أجراس فيه. سكونٌ موجع كأنّ الحياة مرّت فوقه بخطواتها الأخيرة ثم انحنت وهمست له بسرٍّ لا يعرفه الأحياء، وأخذته بعيداً حيث لا تصل أصوات الأمهات ولا رجاءات القلوب. كان ممدداً على السرير بملامح لم يفسدها الموت بعد؛ شاباً يشبه الفجر حين يُطفَأ قبل أن يكتمل، على شفتيه بقايا حياةٍ صغيرة توهم الناظرين أنه سيفتح عينيه بعد قليل، سيعتدل في جلسته، ويقول للجميع بأنّ كل هذا الكابوس الذي عاشه لم يكن سوى خطأ ثقيل لا بد أنه سينساه إلى الأبد.

عند رأسه كان ذلك الظلّ الضئيل يبكيه بحرقة. كانت أمّه. أمّه التي تعرف كل شيء. تعرف ذلك اليقين الأسود الذي يهبط على قلب الأم قبل الجميع. ولهذا لم تكن تبكي كما يبكي الناس موتاهم، بل كما تبكي الأرضُ شجرةً اقتُلعت من جذورها. كانت منحنية فوقه كأنها تحاول أن تعيده إلى رحمها لتحميه مرة أخيرة من قسوة العالم، تضمّ يده الباردة إلى صدرها المرتجف، تمرّر أصابعها على جبينه بحنانٍ مكسور، تنظر إلى وجهه كما ينظر الغريق إلى آخر قطعة يابسة تغرق أمامه، وفي عينيها وصوتها خرابُ أمّ أدركت أن البيت بعد اليوم لن يكون بيتاً، وأن صوته لن يعود يتردد في الممرات، وأن ثيابه ستظلّ معلقة في الخزانة دون أن يرتديها أحد.

وأنا أنظر إليها، فكّرت طويلاً بمعنى القُرب. من هم أقرب الناس إلينا وكيف يمكن لقلبٍ أن يسكن قلباً آخر حتى إذا توقف أحدهما عن النبض شعر الآخر أن الحياة كلها اختلّت؟!

فكرت كم نحزن على فقدان الأشياء التي نمتلكها رغم أنها جمادات لا روح فيها. نغضب إن ضاع منا خاتم اعتدناه، أو احترقت بشكل غير مقصود رسالة قديمة، أو انكسر شيء نحمله منذ سنوات. ليس لأن تلك الأشياء ثمينة دائماً، بل لأن جزءاً من ذاكرتنا ومشاعرنا يلتصق بها مع الوقت. فكرت بذلك وتساءلت كيف سيكون الحال إن لم يكن المفقود شيئاً… بل إنساناً؟!

كيف إذا خسرنا شخصاً كنّا نشعر أنه لنا؟!

ليس “لنا” بمعنى التملك الأناني، بل بذلك المعنى العميق الذي يجعل وجوده جزءاً من اتّزاننا، من تفاصيل يومنا، من شكل العالم في أعيننا.

تذكرت كيف تسودّ الدنيا في عينيّ عندما يمرض أحد إخوتي حتى وإن كان مرضاً بسيطاً، أو عندما تكون أمي منزعجة من أمر ما أو عندما أشعر أنّ صوت أبي ليس كما عهدته.

تذكّرت أيضاً تلك اللهفة التي خبّـأَتها صديقتي منذ مدة خلف كلماتها وهي تسألني عن حالة مرضيّة إن كانت مهددة للحياة أم لا واكتشفت لاحقاً بأنها كانت لخطيبها المسافر.

بعض الناس في حياتنا لا نستطيع أن ننظر إلى تعبهم ببرود، ولا إلى غيابهم كحادثة عابرة. أولئك الذين إذا انطفأت أرواحهم قليلاً، شعرنا أن العالمأزمتان في أزمة كبرى : أمريكا، إيران ، والعالم ! كله صار أقل دفئاً.

وربما لهذا يبدو الحب الحقيقي مخيفاً أحياناً، ربما لأنه يمنح شخصاً آخر القدرة على أن يهزّ عالمنا كله، ولأننا في لحظة ما ندرك أننا لم نعد نحب هذا الإنسان فقط… بل أصبحنا نعتبره جزءاً منّا، جزءاً نخاف عليه كما نخاف على أنفسنا تماماً. ولهذا أستطيع القول الآن بأنّ أقرب الناس إلينا هم أولئك الذين نشعر أنهم “منّا” و”لنا” في آن معاً.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى