
ما الذي يحدث في كثير من بلدان العالم الثالث؟ وما الذي يجعل أخبار الفساد المالي والإداري والوظيفي والسياسي تتصدر وسائل الإعلام العربية والغربية بصورة تكاد تكون يومية؟ ولماذا أصبحت التحقيقات والمحاكمات وكشف الحسابات المصرفية والأصول والعقارات في الخارج جزءاً من المشهد السياسي في عدد من الدول التي تمتلك ثروات هائلة، بينما يعيش جزء كبير من شعوبها تحت خط الفقر؟
هذه الأسئلة لم تعد مجرد موضوع للنقاش الفكري أو السياسي او للدردشة في وسائل الإعلام ، بل أصبحت هاجساً حقيقياً لدى ملايين المواطنين الذين فقدوا الثقة بمن وعدوهم بالإصلاح، ثم اكتشفوا أن كثيراً ممن وصلوا إلى المناصب العامة والسلطة باسم الوطنية أو الديمقراطية أو المعارضة، قد انشغلوا ببناء إمبراطورياتهم المالية أكثر من انشغالهم ببناء أوطانهم.
ولعل العراق يمثل اليوم واحداً من أكثر النماذج التي أثارت اهتمام الرأي العام خلال السنوات الأخيرة. فمنذ سقوط النظام السابق عام 2003، علق العراقيون آمالاً كبيرة على مرحلة جديدة تقوم على الديمقراطية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية. وكان الأمل أن تُستثمر ثروات العراق النفطية والزراعية والبشرية الهائلة في إعادة بناء الدولة وتحسين مستوى معيشة المواطنين وتعويض عقود طويلة من الحروب والعقوبات.
غير أن ما تكشف لاحقاً من ملفات فساد ضخمة، وما أعلنته جهات رقابية وقضائية وتقارير محلية ودولية عن اختفاء مليارات الدولارات أو سوء إدارتها، ترك أثراً بالغاً في نفوس العراقيين، وأثار تساؤلات عميقة حول كيفية إدارة المال العام، وحول قدرة مؤسسات الدولة على حماية ثروات الشعب ومحاسبة المتجاوزين عليها.
وليس المقصود هنا توجيه الاتهام إلى جميع السياسيين، فالتعميم ظلم لا ينسجم مع الموضوعية والإنصاف. فما زال هناك رجال ونساء دخلوا العمل العام بدافع الخدمة الوطنية، وحافظوا على نزاهتهم رغم صعوبة الظروف. إلا أن المشكلة تكمن في أن قضايا الفساد الكبرى، عندما تتكرر وتتسع، تصبح كفيلة بتشويه صورة الطبقة السياسية بأكملها في نظر المواطن.
وإذا تأملنا واقع كثير من دول العالم الثالث، نجد أن المشكلة لا ترتبط فقط بالأشخاص، وإنما أيضاً بضعف المؤسسات، وغياب الرقابة الفاعلة، وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية، وانتشار المحاصصة والولاءات الضيقة على حساب الكفاءة والنزاهة. فعندما تغيب الشفافية، وتضعف استقلالية القضاء، وتُستخدم المناصب لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية، يصبح الفساد ظاهرة يصعب احتواؤها.
ومن أكثر المفارقات إيلاماً أن العديد من هذه الدول تمتلك ثروات طبيعية هائلة، من النفط والغاز والمعادن والأراضي الزراعية والمياه والمواقع الاستراتيجية، وهي ثروات كان يمكن أن تجعل شعوبها من أكثر شعوب العالم رفاهية. لكن سوء الإدارة والفساد والهدر المالي حوّل تلك النعم إلى مصدر للصراعات والأزمات، بينما بقي المواطن البسيط يكافح لتأمين احتياجاته الأساسية من غذاء وتعليم وصحة وسكن وفرص عمل.
ولا يقتصر أثر الفساد على الجانب المالي فحسب، بل يمتد إلى تآكل ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها. فعندما يشعر الإنسان بأن القانون لا يُطبق على الجميع، وأن النفوذ يحمي الفاسدين، وأن المال العام يُهدر دون محاسبة، تتراجع قيم المواطنة، ويحل الإحباط محل الأمل، ويصبح الحديث عن الإصلاح مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع.
ومن المؤسف أيضاً أن بعض القوى السياسية التي وصلت إلى الحكم تحت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد، وجدت نفسها لاحقاً متهمة بالممارسات ذاتها التي كانت تنتقدها. وهذه الظاهرة تؤكد أن المشكلة ليست في الشعارات، بل في بناء منظومة حكم رشيدة تقوم على استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وشفافية الإنفاق العام، والمساءلة الحقيقية، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون على الجميع دون استثناء.
إن مكافحة الفساد لا تتحقق عبر الخطب أو البيانات الإعلامية، وإنما عبر مؤسسات قوية تمتلك صلاحيات حقيقية، وقضاء مستقل لا يخضع لأي ضغوط سياسية، وأجهزة رقابية محترفة، وتشريعات واضحة، وإرادة سياسية صادقة تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والحزبية.
كما أن المجتمع نفسه يتحمل جزءاً من المسؤولية عندما يقبل بثقافة تبرير الفساد أو التساهل معه أو انتخاب أشخاص ثبت فشلهم أو تورطهم في قضايا تمس المال العام. فالديمقراطية لا تكتمل بصندوق الاقتراع وحده، وإنما تحتاج إلى وعي مجتمعي يحاسب ويطالب ويُميّز بين من يعمل بإخلاص ومن يستغل المنصب لتحقيق مكاسب خاصة.
لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن محاربة الفساد ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد، يبدأ من التربية والتعليم، ويترسخ عبر مؤسسات قوية، وينتهي بثقافة عامة تعتبر المال العام أمانة مقدسة لا يجوز العبث بها.
ويبقى الأمل قائماً في أن تتمكن شعوب العالم الثالث، ومنها الشعوب العربية، من بناء دول حديثة تحترم القانون، وتصون المال العام، وتوفر العدالة والكرامة لمواطنيها. فالأوطان لا تنهض بكثرة مواردها الطبيعية وحدها، بل بنزاهة من يديرها، وكفاءة مؤسساتها، وإخلاص قادتها، ووعي شعوبها.
وعندما تصبح السلطة مسؤولية لا غنيمة، والخدمة العامة واجباً لا وسيلة للإثراء، عندها فقط يمكن أن تتحول ثروات الأوطان إلى تنمية حقيقية يستفيد منها الجميع، ويستعيد المواطن ثقته بأن الدولة وُجدت لخدمته، لا لاستنزاف مقدراته.
بوابة الشرق الأوسط الجديدة



