من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء – صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة التاسعة عشرة)
كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء
صحافي في الشرق الأوسط
تأليف: كلود صالحاني ترجمة: نضال بديع بغدادي
الحلقة التاسعة عشرة
الفصل الحادي عشر
السفر مع هنري كيسنجر
الديبلوماسية هي فن السماح للآخرين بأن يسلكوا طريقك
دانييل فاريه
أصبحت ” الديبلوماسية المكوكية ” لهنري كيسنجر أسطورة. قرر وزير الخارجية الأمريكي ذا المشيئة القوية أن يخلص إلى تحقيق اتفاق بين إسرائيل وجيرانها العرب يمكن له أن يؤدي إلى السلام في الشرق الأوسط.
سافر كيسنجر، خلال الحرب العربية ـ الإسرائيلية عام 1973، بشكل متكرر إلى كل من سورية ومصر وإسرائيل بحثاً عن التسوية. قام بست وثلاثين رحلة منفصلة في شهر ونيف إلى دمشق وحدها، بينما كان القتال مستمراً في مرتفعات الجولان. سرعان ما أصبحت زيارات كيسنجر روتينية بالنسبة لسلك الصحافة اللامبالية التي تغطي الجبهة السورية. ولكن طالما بقي ضمن دائرة الضوء، كان رؤساء تحريرنا يصرون على استمرارنا بتغطية كل حركة له.
احتشد جمع الصحفيين وأطقم التلفزة بشكل يومي حول المسؤولين السوريين حتى تخرج الكلمة منهم أخيراً بأن كيسنجر كان في طريقه إلى العاصمة السورية. يتأخر الرسميون عادة حتى الدقيقة الأخيرة قبل أن يعلنوا لنا وصول وزير الخارجية الوشيك. يتلو ذلك اندفاع محموم نحو مطار دمشق الدولي. بعد ذلك يمكن أن يكون هناك الاندفاع الآخر للحظة الأخيرة نحو الطريق، حيث يتناكب مصورو التلفزيون مع المصورين الصحفيين باتجاه حدود ” المقصورة الصحفية “. كانت المقصورة الصحفية المحتشدة تشبه حلبة الملاكمة، حيث كنا نتدافع للحصول على لقطة لوزير الخارجية.
كان كيسنجر يقدم أحياناً تصريحاً مقتضباً ـ ” أجرينا للتو بعض المحادثات المثمرة، وتم تحقيق بعض التقدم. ” وفي أحيان أخرى، كان ينطق بخفة مبتعداً تحرسه ثلة من رجال الأمن ويخرج ليستقل سيارة ليموزين تقف في انتظاره وذلك ليجري مزيداً من المحادثات المثمرة ” مع القادة السوريين. نقود سياراتنا بسرعة جنونية على الطريق السريع الذي يصل العاصمة السورية بمطارها الدولي. لنصل إلى القصر الجمهوري وهو القصر الرئاسي.
كان البناء الذي عاش وعمل فيه حافظ الأسد عبارة عن فيلا من الصعب تحديدها إذا أنها كبيرة الحجم وفيها عدة طوابق وتقع قرب منطقة سكنية في دمشق. إنها لا تشبه القصر إلا قليلاً، وهي لا تشير في شكلها إلى أي مؤشر عياني لأي نوع من البذخ الجشع. كنا نتجمع كقطيع في المدخل الصحفي خلف القصر، وهو ما كنت أشك دائماً أنه مدخل الخدم. كان هناك سباق آخر يعقب تفتيشاً أمنياً سريعاً عندما كنا نتبع المسؤولين عبر متاهة من الغرف والمكاتب. حيث كان موظفو السكرتاريا ينقلون الأوراق من مكان لآخر نحو الممرات السفلية وعلى أدراج السلالم صعوداً وهبوطاً، حتى نصل أخيراً إلى ” قدس الأقداس ” المكتب الخاص للرئيس الأسد.
تقوم المرافقة، في غرفة انتظار الرئيس، بفصل أجهزة الصوت عن آلات التصوير التلفزيونية. لم يكن يسمح لأي ميكروفونات داخل المكتب. رغم اللازمة المتكررة ” لا تتدافعوا، لا تتدافعوا. ” فإن عشرات الصحفيين ورجال التصوير المحبطين يقتحمون باندفاع الحرم الداخلي للرئيس. كان حافظ الأسد يجلس على كرسي ذي ذراعين يبدو وكأن أرجله قد قطعت إلى ارتفاع قصير جداً مما يجعل قدمي الرئيس تبدوان أطول مما هما عليه في الواقع. كان الأسد يجلس دائماً إلى اليمين بابتسامة عريضة على وجهه ويداه مشبوكتين فوق بطنه. جلس كيسنجر إلى اليسار. كانت تفصل بينهما طاولة صغيرة وضع فوقها أصيص أزهار.
كان يُسمح لنا بالدخول بعد أن يجلس رجلا الدولة فوق كرسيهما. لم يسبق وأن تصافحا أمامنا. أو أنهما تبادلا عبارات المجاملة. نادراً ما تكلما بينما كنا في الغرفة. سمعت مرة واحدة حواراً قصيراً جداً بينهما، وكان عبارة عن تعليق حول الطقس. حتى هذا كان يتم من خلال مترجم.
يقوم الحرس المتحمسون جداً. بعد حوالي العشرين ثانية، بإخراجنا من الغرفة. نعود بعدها إلى المطار لانتظار مغادرة كيسنجر إلى إسرائيل أو مصر. يدلي وزير الخارجية قبل مغادرته بتصريح قصير حول لقائه مع الرئيس السوري.
كان يعلق بلكنته الألمانية الثقيلة قائلاً: ” لقد أجرينا يعض المحادثات المثمرة، وتم تحقيق بعض التقدم “.
تبدأ بعد ذلك الدورة من جديد. كنا ننتظر كلمة السوريين تعلق لنا عن عودة كيسنجر. ومع التكرار الممل. كانت تدور الجولة كاملة. ست وثلاثون مرة.
قام هنري كيسنجر، خلال مهمتي في القاهرة بعد عدة سنوات على تركه لمنصبه كوزير للخارجية، بزيارة خاصة إلى القاهرة. قامت مجلة التايم بالتنسيق مع وزير الخارجية الأسبق بأن أقوم بمرافقته خلال رحلته إلى شمالي مصر. هكذا وجدت نفسي مسافراً مع هنري كيسنجر، وزوجته نانسي، وأبنه ديفيد وزمرة من رجال الأمن الأمريكيين والمصريين على متن طائرة الرئيس السادات الخاصة التي قدمت ككرم ضيافة على شرف هذا الحدث.
تقدم كيسنجر إلى مقدمة الطائرة حيث كنت أجلس، وذلك بعد فترة قصيرة من إقلاعها من القاهرة.
صرح كيسنجر قائلاً: ” أعتقد أن الطقس حار في مصر العليا في هذا الوقت من السنة “.
أجبته: ” يبدو لي أنك تستمتع فعلاً بمثل هذا الطقس دكتور كيسنجر. ألا تذكر أن الطقس كان كذلك في بترا”.
أشرت في جوابي هذا إلى زيارة قام بها كيسنجر إلى الأردن قبل عدة سنوات حين كان ما يزال وزيراً للخارجية. قام بسياحة في بترا، العاصمة الشهيرة للمملكة العربية القديمة النبطية. قطع هذا الموقع التاريخي المدهش صخوراً حمراء ثقيلة.
كانت بترا، التي تعني ” الصخرة ” في اليونانية، نقطة تقاطع القوافل المتجهة من خليج العقبة وجنوبي الجزيرة العربية إلى دمشق والمناطق الغربية.
قرر معظم الفريق الصحفي الذي يغطي رحلة كيسنجر إلى الأردن أن يتجاوزا بترا ويتوجهوا مباشرة إلى مدينة العقبة الساحلية حيث كان من المقرر أن يتم لقاء كيسنجر بالملك حسين في وقت لاحق من ذلك اليوم. كان وزير الخارجية يسافر في طائرة مروحية من طائرات الجيش الأردني. بينما سافر الإعلاميون بسيارات الأجرة، وكان هذا يعني أن علينا اختيار الموقع الذي يجب أن نقوم بتغطيته إعلامياً. اختار معظم الصحفيين العقبة. سبق لي وأن صورت كيسنجر مع الملك عدة مرات واعتقدت أن كيسنجر يمكن أن يشكل بزيارته للمواقع الأثرية في بترا فرصة أفضل لتصويره.
لذلك قررت الذهاب إلى هناك. ذهب معي صحفي واحد آخر فقط وهو مصور في وكالة فرانس برس.
عندما وصلت بترا، تم نقلنا نحن وكيسنجر ومرافقينا عبر ممرات ملتوية في سيارات لاندروفر قدمها الجيش بعد اعتراض على ذهابه على ظهر الحصان من الناحية الأمنية. اتجه صحفي وكالة فرانس برس إلى بار الاستراحة لينشد زجاجة من البيرة الباردة. وبينما كنت على وشك اللحاق بزميلي، تناهى إلى سمعي قول أحدهم بالعربية أن هدية سوف تقدم إلى كيسنجر، وسرعان ما غيرت وجهتي.
خلع كيسنجر، في غرفة الاستراحة، سترته وربطة عنقه بينما كان رئيس الوزراء الأردني مضر بدران يضع كوفية ملونة بالأحمر والأسود على رأس وزير الخارجية الأمريكي. كنت المصور الوحيد المتبقي لالتقاط هذه اللحظة.
ظهرت صوري الملونة وبالأبيض والأسود التي تظهر كيسنجر معتمراً الكوفية في العديد من المجلات حول العالم بما فيها صفحة غلاف مجلة التايم. كانت واحدة من أكثر الصور انتشاراً من بين تلك التي سبق لي وأن التقطها.
تذكر كيسنجر، ونحن على متن طائرة السادات الخاصة، تلك الصورة الشهيرة التي التقطت منذ عدة سنوات.
هتف مشيراً بإصبعه إلي: ” إذاً هو أنت “. جلس إلى جانبي وناقش الصورة وتبعاتها. أقر كيسنجر قائلاً: ” لقد كانت صورة قوية جداً ” مضيفاً قد سببت الرعب ضمن أعضاء الجالية اليهودية الأمريكية.
سألت كيسنجر عما دار في خلده حينما كان بدران يضع الكوفية على رأسه.
أجاب قائلاً: ” لو أن أمي تراني الآن “.
* * * *

صورة حصرية التقطها مؤلف الكتاب تظهر وزير الخارجية هنري كيسنجر وهو يرتدي غطاء رأس عربي أثناء زيارته لمدينة البتراء في الأردن على غلاف مجلة تايم.
كشف كيسنجر، خلال الأيام الثلاثة التالية، عدداً من التفاصيل المهمة لزياراته الست وثلاثين إلى العاصمة السورية، وهي تفاصيل لم تنتبه إليها الصحافة إطلاقاً في حينها.
صرح كيسنجر قائلاً، بينما كنا نعبر بين القبور في وادي الملوك: ” أتذكر ذلك المنزل على طريق المطار في دمشق؟ “.
كان من الصعب فعلاً التقاط الإشارة، فقد كان منزلاً صغيراً يقع على الجانب الآخر الصحراوي الممتد على طول الطريق السريع الواصل بين دمشق ومطارها الدولي.
أجبته قائلاً: ” نعم، بالتأكيد أذكره، لقد اختفى المنزل في أحد الأيام ببساطة. ”
قال كيسنجر: ” هذا صحيح. لقد تلقى السوريون تقارير استخباراتية تفيد بأن الفلسطينيين كانوا يخططون لتصب كمين لي في ذلك المنزل. أزالوه ببساطة في ليلة واحدة. ”
أثناء تجوالنا بين الآثار الملكية وقبور فراعنة مصر القدماء، كانت فرق من رجال الشرطة المصرية تحتجز السياح العاديين على مسافة بعيدة بما يكفي، بينما كان أمين المتحف المصري يؤدي مهمة الدليل السياحي لنا. هذا هو السفر المترف إذاً.
قال وزير الخارجية الأسبق: ” أردت زيارة المسجد الأموي في دمشق. ”
تذكرت أنه كان من المخطط له أن يزور الجامع حيث يوجد رأس يوحنا المعمدان كما يقال. تذكرت أيضاً أنني انتظرت عند المسجد لعدة ساعات. لكن كيسنجر لم يظهر.
قال كيسنجر: ” نعم، كان مخططاً لي أن أزور الجامع، لكن السوريين علموا بأن الفلسطينيين قد قاموا بتلغيم الطريق، ولهذا ألغوا الزيارة. ”
كشف كيسنجر الكثير من التفاصيل الأخرى المتعلقة بدبلوماسيته المكوكية ومحاولات تهديد حياته، لحين وصولنا إلى الاسكندرية حيث انتهت مهمتي. ودعت كيسنجر وطاقمه وتوجهت إلى فندقي. كان هناك المصور آخر من التايم يغطي الحدث من هنا.
جاءني، بعد دقائق من إنتهائي من إجراءات إنهاء مقابلتي في فندق فلسطين، ضابط أمن كيسنجر مسرعاً. ” يسعدني أن أجدك. يريد الرجل منك أن ترافقه إلى قصر السادات. ”
كان الوقت عصراً وقد أخذت الحرارة بالانخفاض. كانت هناك نسمة رقيقة تهب من المتوسط حين رحب السادات بكيسنجر في حديقة القصر المقلّمة بشكل جيد. طلب رجال الأمن المصريين، بعد الانتهاء من جولة التصوير الاعتيادية، من الصحفيين المغادرة، لكن الدكتور كيسنجر أمرهم بالسماح لي بالبقاء. كانت تلك فرصة نادرة بالفعل. لم يحدث لي هذا من قبل. من الطبيعي أن أرتعد، كان زملائي أقل مني في ذلك. بقيت على بعد عدة ياردات من الرجلين بينما كانا منخرطين في نقاش عميق. التقطت صوراً غير عادية والاجتماع ما زال مستمراً. وصلت ابنة السادات، عند مرحلة معينة من حديثهما، لترحب بكيسنجر. بعد ذلك بوقت قصير، قاطعهما حفيد السادات وجلس في حجر الرئيس المصري. لاعب كيسنجر الصغير بينما كنت التقط تلك اللحظة.
تلك كانت اللحظات، وهي نادرة بالطبع، التي تجعل من المصور الصحفي شخصاً ذا شأن. عندها يصبح كل الانتظار، وكل المشاحنات، وكل التعامل مع البيروقراطيين التافهين أمراً منسياً. أعلم أن صوري سوف تنتشر حول العالم. ليس هناك من شعور أفضل من هذا بالنسبة للصحفي.
(يتبع)
الحلقة العشرون: الفصل الثاني عشر ( إيران )



