بلا حدود

منطقتنا والقوى العالمية ولعبة الانتظار…!

ماهر المملوك

في منطقتنا، كما في أجزاء واسعة من العالم، تبدو الحياة وكأنها معلّقة بخيطٍ رفيع اسمه “الانتظار”. انتظارٌ طال حتى صار أسلوب حياة، لا مجرد مرحلة عابرة. ننتظر الحلول الكبرى لقضايا مصيرية، ونترقب انفراجات سياسية لا تأتي، ونعلّق آمالنا على تغيّر الحكومات، أو تبدّل موازين القوى، أو حتى على مصادفات القدر. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الانتظار من أملٍ مشروع إلى حالة مزمنة من الترقب المشوب بالعجز.

قضت أجيال كاملة وهي تنتظر. تنتظر نهاية الحروب التي لا تنتهي، وتنتظر استقراراً اقتصادياً لا يستقر، وتنتظر عدالة دولية كثيراً ما بدت انتقائية أو مؤجلة. في العالم العربي، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، والتاريخ مع المصالح الدولية، يصبح الانتظار أكثر تعقيداً، لأنه ليس انتظاراً لحدث واحد، بل لسلسلة طويلة من التحولات المتشابكة. كأن المنطقة بأكملها تعيش في “غرفة انتظار” مفتوحة، لا يُعرف متى يُنادى على دورها.

ولعل أخطر ما في هذه الحالة ليس طول الانتظار بحد ذاته، بل ما يخلّفه في النفوس. فحين يعتاد الإنسان الانتظار، يفقد تدريجياً حسّ المبادرة. يصبح الأمل مؤجلاً دائماً إلى الخارج: إلى قرار دولي، أو تسوية إقليمية، أو تدخل قوة كبرى. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ إذ تتحول الشعوب من فاعلٍ في صناعة مصيرها إلى متلقٍّ لنتائج قرارات لا تشارك في صنعها.

اقتصادياً، ينعكس هذا الانتظار في تفاصيل الحياة اليومية. ننتظر استقرار الأسواق العالمية كي تهدأ أسعارنا المحلية، وننتظر تحسّن سعر صرف العملات، ونترقب قرارات الدعم أو رفعه، وكأن معيشة الإنسان مرهونة بالكامل بحركة مؤشرات لا يملك التأثير فيها. ومع تآكل القدرة الشرائية، يصبح “الانتظار” عبئاً مضاعفاً، لأنه لا يقدّم حلاً، بل يؤجل المواجهة فقط. الرواتب لا تكفي، والفرص محدودة، واليقين مفقود، فيتحول الزمن إلى مساحة ممتدة من القلق.

سياسياً، يتكرر المشهد ذاته. ننتظر تغيير الحكومات على أمل أن تأتي بواقع أفضل، لكن التجارب المتراكمة تجعل هذا الأمل هشاً. ليس لأن التغيير مستحيل، بل لأن بنيته غالباً ما تبقى أسيرة نفس المنظومات، ونفس التوازنات، ونفس القيود. وهكذا، يصبح الانتظار حلقة مفرغة: تغيير لا يغيّر كثيراً، وأمل يتجدد ثم يتآكل.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن الانتظار يخلق حالة من الاغتراب الداخلي. يشعر الإنسان أنه يعيش خارج زمنه، أو على هامش العالم. يرى التقدم في أماكن أخرى، بينما يظل واقعه معلقاً بين ماضٍ ثقيل ومستقبل غامض. وهذا الشعور لا يقتصر على فئة دون أخرى، بل يمتد عبر الأجيال، من شباب يبحث عن فرصة، إلى كبار أنهكهم طول الترقب.

لكن، هل يعني ذلك أن الانتظار قدر محتوم؟ وهل كُتب على هذه المنطقة أن تبقى أسيرة الألم وضيق العيش والصراعات؟ الإجابة ليست بهذه البساطة، لكنها أيضاً ليست قاتمة بالكامل. فالتاريخ، رغم قسوته، ليس خطاً ثابتاً. صحيح أن الماضي يحمل الكثير من الإخفاقات، لكنه لا يفرض بالضرورة مستقبلاً مشابهاً. المشكلة ليست في الأمل بحد ذاته، بل في ربطه الدائم بعوامل خارجية فقط.

ما تحتاجه مجتمعاتنا ربما ليس التخلي عن الأمل، بل إعادة تعريفه. الأمل الذي ينتظر فقط هو أمل هش، أما الأمل الذي يتحرك، ولو ببطء، فهو أكثر قدرة على الصمود. وهذا لا يعني إنكار تعقيدات الواقع أو التقليل من تأثير العوامل الدولية، بل يعني إدراك أن الانتظار وحده لا يصنع تغييراً.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن العالم نفسه يعيش حالة من “لعبة الانتظار”. القوى الكبرى تراقب بعضها، والأسواق تترقب قرارات البنوك المركزية، والدول تنتظر مآلات النزاعات قبل أن ترسم سياساتها. بمعنى آخر، الانتظار ليس حالة محلية فقط، بل هو جزء من مشهد عالمي أوسع. لكن الفرق يكمن في القدرة على التحرك داخل هذا الانتظار، لا الاكتفاء به.

منطقتنا، رغم كل التحديات، تملك مقومات لا يمكن إنكارها: ثروات طبيعية، موقع جغرافي استراتيجي، وطاقات بشرية شابة. هذه العناصر، إذا أُحسن توظيفها، يمكن أن تقلل من الاعتماد على “الانتظار الخارجي” وتفتح مسارات داخلية للنمو. غير أن ذلك يتطلب إرادة سياسية واقتصادية حقيقية، ورؤية تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.

في النهاية، السؤال “إلى أين المسير؟” يظل مفتوحاً، لكنه ليس بلا إجابة. المسير لا يتحدد فقط بما ننتظره، بل بما نفعله أثناء الانتظار. قد لا نملك تغيير كل المعادلات الكبرى، لكننا نملك، بدرجات متفاوتة، القدرة على تقليل أثرها علينا. وبين الانتظار والفعل، تتحدد ملامح المستقبل.

ربما ضاع الكثير من الوقت في ملاحقة أملٍ مؤجل، وربما لم تتحقق إنجازات بحجم الطموح، لكن ذلك لا يعني أن الطريق انتهى. فالمستقبل، مهما بدا غامضاً، لا يُكتب بالكامل مسبقاً. وبين قسوة الواقع وإمكانية التغيير، تبقى مساحة صغيرة، لكنها حاسمة، يمكن أن يتحول فيها الانتظار من عبءٍ ثقيل إلى مرحلة انتقال نحو شيءٍ مختلف… إذا ما قررنا ألا نكتفي بالانتظار فقط.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى