كتاب الموقعكلمة في الزحام

ثورة تونس …واحترقنا مرتين…

ثورة تونس …واحترقنا مرتين… الذين منحوا لمحمد البوعزيزي قليلاً من البنزين وتبرّعوا بعلبة كبريت كاملة الأعواد،  ناشفة وغير مبلّلة، وزادوا عليها هتافاً تحريضياً مدوّياً … يطالبون اليوم بنصيبهم ومستحقاتهم من الثورة .
الذين تسلّلوا إلى العربة وغنموا نصيبهم من الخضار والفواكه أثناء الحادثة، يعتبرون ذلك من أوّل بشائر الثورة وإنجازاتها التاريخيّة .
عاملة الضرائب البلديّة  ” فايدة ” لم يكن اسمها اعتباطيّاً على ما أظن …وهي فارسة لمن لا يعرفها، تركب الخيل تناضل مع أسرتها الصغيرة وتؤدي واجبها الوظيفي بكل شرف ومسؤولية، تقسم في كل مرّة أنّ أخلاقياتها العربية لا تسمح بصفع رجل …لكنّ والدة الشهيد وأخته تصرّان دائماً أمام الكاميرات الأجنبية ومن حديقة المنزل الجديد أنها قد ضربته ضرباً مبرحاً.
أبطال الفلتان الأمني والذين ” أدلوا بدلوهم ” في عمليات السطو والنهب وتعرّض بعضهم إلى هراوات الحرس والمدافعين عن أموالهم وأعراضهم …صاروا من “جرحى الثورة ” ولهم الأولوية في كل شيئ… قبل الذين لزموا بيوتهم وكرامتهم.
نزلاء السجون في جرائم الحق العام، يشكرون الثورة التي أنعمت عليهم بالعفو التشريعي والحرية …الحرية التي عادوا لممارستها بمنتهى ” الحرية ” .
الذين أوقفتهم شرطة المرور في عهد النظام البائد وحرّرت في حقهم محاضر ضبط.. صاروا مناضلين ويطالبون بإعادة الاعتبار .
المرتزقة والجلاوزة واللصوص الصغار، يشتكون سوء معاملة سادة الأمس ويطالبون الثورة بإنصافهم في تلك القسمة التي لم تكن “عادلة”.
أبواق إعلام نظام بن علي ومناشدوه وأقلامه المأجورة يرفعون اليوم كلمة حق يراد بها باطل وهي تطهير الدولة ممّن يعرف بـ” لجان حماية الثورة وتحصينها ” …هؤلاء الأخيرون يتمسّكون بـ ” البقاء في مناصبهم ووظائفهم ” التي تدرّ عليهم امتيازات كثيرة …وتجعلهم أصحاب ” فيتو ” دائم ضد كل كفاءة وطنية لا تعجب مستعمليهم ومحرّكيهم في الكواليس المظلمة .
الذين اعتقلهم النظام المخلوع وهم ينتمون لحزب فئوي دعوي لا لوطن حر ومستقل للجميع، كانوا “يناضلون ” من أجل قمع الحريات لا في سبيل اطلاقها…والذين فرّوا منهم بجلودهم ولحاهم وعمائمهم يخوّنون اليوم الذين ظلّوا مرابطين مع اخوتهم ودمائهم وصبرهم …فهل يستوي الذين يصدقون والذين لا يصدقون…؟.
الذين سكنوا بلاد الفرنجة في “محنتهم ” وتمتّعوا بديمقراطيتها ” البدعة “، يطالبون اليوم بمحاربتها مع حاملي لوائها من الكفّار ويواصلون حرق السفن التي أوصلتهم إلى سدّة الحكم .
المحامون والحقوقيون والناشطون العلمانيون في سنوات الجمر دفاعاً عن أصحاب الرأي المتشدّد من الاسلاميين …صاروا في نظر “موكّليهم ” بالأمس كفّاراً ومرتدّين،  يجب محاربتهم وتطهير الأرض من شرورهم .
سدنة بيوت الله وحملة رسالة السلام والمحبة والدين المعاملة، أنزلتهم ” الرعية الجديدة ” من أعلى منابرهم، شقّت عصا طاعتهم، شيطنتهم ودعت لضرب أعناقهم ما لم يدعوا إلى الجهاد المقدّس ضدّ اخوتهم وأبنائهم وشركائهم في الدين والوطن …وحتى من طالبي الحرية خارج حدوده.
علم الوطن الذين يحمل لون دماء أبنائه على مذابح الحرية منذ حروبهم الأولى ضد روما القديمة …صار في نظر فئة من الثوريين الجدد، مجرّد خرقة بالية يستحسن استبداله بالراية السوداء .
كلمة في الزحام …الآن وقد عاد قطار الثورة في تونس إلى سكّته وأطلق صافرة الرحيل إلى وجهته الحقيقية، بدأ قطّاع الطرق بالقفز والتهاوي، ومن ثم محاولة دقّ الأوتاد في الدروب الوعرة وغير الآمنة …… ولكن هيهات فالقطارات لا تنظر خلفها ولا تبالي بالعربات التي انفلتت منها … لن يكون ماضيهم إلاّ دخاناً محترقاً.

14.04.2014

 

بوابة الشرق الاوسط الجديدة 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى