كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة الخامسة عشرة)

كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

 

   

تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

 

 

 الحلقة الخامسة عشرة

الفصل الثامن – المختطفون

(2/2)

 

أُجبرت، في صباح الثالث من آذار عام 1981، طائرة بوينغ من طراز 720 تحمل 148 مسافراً في رحلة داخلية ضمن باكستان، على تغيير مسارها باتجاه أفغانستان على يد مختطفين مسلحين. بعد أن ظلت الطائرة جامدة في مكانها لمدة ستة أيام على مدرج في مطار كابول، أجبر المسلحون قائد الطائرة على المغادرة إلى العاصمة السورية، دمشق.

لم يعر، في البداية، الخاطفون أي اهتمام أو فلنقل القليل منه. كانت المسألة مسألة تتعلق بالعالم الثالث، وإضافة إلى ذلك، لم يسجل وجود جنسيات أجنبية ( حتى ذلك الحين ) ضمن المسافرين المحتجزين، الذين كانوا في معظمهم باكستانيين. بدا أن العالم لم يعرهم أدنى تفكير.

لكن سرعان ما تغير الأمر. أعلن الخاطفون أن عدداً من المواطنين الأمريكيين، وكندياً وسويدياً كانوا في عداد المحتجزين. أصدرت حكومة الولايات المتحدة تحذيراً شديد اللهجة إلى السوفيت، الذين كانوا في ذلك الوقت يسيطرون على كابول، وحملوهم مسؤولية سلامة مواطنيها. ولدّت هذه التطورات الجديدة، مضافاً إليها قتل دبلوماسي باكستاني كان على متن الطائرة، تركيزاً جديداً على الخاطفين، الذين أذيع بأنهم كانوا مسلحين بالقنابل اليدوية، والأسلحة الرشاشة، والعبوات الموقتة زمنياً, والكثير من الذخيرة الحية.

تلك كانت الكيفية التي شاركت فيها مع مجموعة اتحاد الصحافة الدولية وهم دافيد زينيان، ومنى زيادة، وإيلين كاري وهي كاتبة تعمل لصالح ( لندن ديلي ميل LONDON DAILY MAIL  ). كانت إيلين أيضاً زوجة فيني شودولسكي رئيس مكتب اتحاد الصحافة الدولية في بيروت. انطلق أربعتنا إلى مطار دمشق في الثامن من آذار وذلك في رحلة قيض لها أن تكون رحلة في العبث.

أصبح جلياً، بينما الأيام تمضي ببطء، أن ليس هناك من حل سريع لهذه الأزمة يمكن أن يتم الوصول إليه. لم تكن القصة ببساطة تمضي إلى نهاياتها لتسمح لنا بالعودة إلى راحة بيروت، كما كنا نأمل في البداية. كان الخاطفون في الواقع يكسبون بسرعة زخماً عن طريق المحررين في أوروبا وشمالي أمريكا.

كانت مهمة تصوير وتحميض الأفلام وإرسال التقارير عن الخاطفين في الشرق الأوسط مهمة عسيرة على الدوام. إن المطارات، في هذا الجزء المضطرب من العالم، سواء أكانت مطارات عسكرية أم مدنية، تصنف على الدوام على أنها ” مناطق استراتيجية ” ومحروسة بجنود مسلحين يصبح شغلهم الشاغل أن يجعلوا من حياة المراسلين الأجانب حياة صعبة ومزرية ما أمكن لهم ذلك.

ضرب حاجز من الجنود السوريين حول الطائرة الخضراء والبيضاء الجاثمة عند أبعد نقطة من المدرج. نُشر العشرات من الجنود ورجال الأمن حول البناء وحول الحدود الخارجية للمطار. منعتني تعزيزات من الشرطة السرية من رفع آلة التصوير وإلا فأنني أغامر إما باعتقالي أو بمصادرة فلمي أو بالاثنين معاً.

كان من الصعب جداً تحصيل المعلومات، غير تلك الواضحة للعيان وهي أن طائرة كانت جاثمة على طرف المدرج، مُحتجزة من قبل عدد من الرجال المسلحين الذين يهددون بتفجيرها. كان السوريين عديمي الكلام كعادتهم ولم تكن السفارة الباكستانية أكثر عوناً منهم.

وهكذا، فقد جلس مراسلو الصحافة العالمية على رصيف المشاة خارج المبنى الرئيسي، يقتلون الوقت، وينتظرون القصة كي تتطور، بينما يشغلون أنفسهم في اثنين من تسلياتهم المفضلة الغابرة: حل الكلمات المتقاطعة لصحيفة الهيرالد تريبيون الدولية، والاستماع إلى التقرير الأخباري من الإذاعة البريطانية ( BBC ) كل ساعة.

رغم ان الطائرة لم تكن تبعد أكثر من ثلاثمائة ياردة عنا، فإن كل مراسل، بمن فيهم أنا، اعتقدوا بشكل ما أن محطة الإذاعة البريطانية، وصوت أمريكا، وإذاعة مونت كارلو، التي تذيع من استديوهات تبعد آلاف الأميال، يمكن أن يكون لديها معلومات أكثر مما لدينا، حتى وإن كان مراسلوها يجلسون على بعد بضعة أقدام منا.

بينما كنت أتسلى بجهاز مذياعي الصغير من نوع سوني، عثرت صدفة على التردد الذي كان يستخدمه الخاطفون للاتصال ونقل تهديداتهم وطلباتهم إلى برج المراقبة. كان هناك صوت رجل يتحدث الانكليزية بلهجة باكستانية ثقيلة يصرخ مصدراً الأوامر ويهدد بإعدام الرهائن!

هدد الخاطف قائلاً: ” سوف أطلق النار على الأمريكيين. ”

أصبت بالذهول. كان هذا صاعقاً مفجراً. نظرت حولي خلسة. لم يبد أي من الصحفيين الآخرين أنه سمع الإرسال. ومع ذلك، فقد بدا بالنسبة لي أن الصوت عال جداً وواضح حيث ظننت أن العالم بأسره قد ألتقط الإرسال.

هدد الخاطف قائلاً: ” إذا لم تلب مطالبي في نهاية الإنذار، فإنني سوف أطلق النار على الأمريكيين. ” عاد الصوت المجهول الهوية يدوي بنفس لهجة الوعيد الصلبة: ” استعدوا لالتقاط الجثث. ”

مضت لحظة توتر بدت لحظة أبدية، قبل أن يأتي جواب برج المراقبة وهو يمور فوق موجات الأثير.

أجاب محمد الخولي، وهو عميد ركن تولى المفاوضات نيابة عن الحكومة السورية، راجياً: ” الرجاء أن تمنحوني وقتاً إضافياً لنقل طلبكم إلى الحكومة الباكستانية. “.

تبع ذلك صمت مروع قبل أن يعطي الإرهابيون على متن طائرة الخطوط الجوية الباكستانية المختطفة: ” حسن. سننتظر ثلاثين ساعة. انتهى. “.

بما أنني اعلم أن السوريين سوف يذهبون إلى أقصى حد لمنع النفاذ إلى مثل هذه المعلومات، لذا فقد اتُخذت احتياطات. كان برد الشتاء السوري لصالحي. قمت بإيصال سماعات الأذن إلى المذياع ودسـسته في جيب داخلي في سترتي السميكة، متظاهراً بأنني أستمع إلى الموسيقا.

سحبت دافيد زينيان وديل ماك مانوس من صحيفة لوس أنجلوس تايمز (THE LOS ANGELES TIMES  ) جانباً، وأعدت عليهم ما سمعته للتو. تجنباً لإثارة السوريين وكذلك الصحفيين الآخرين الذين يتجمعون حولنا، أخذ زينيان يتمشى بغير اكتراث باتجاه مبنى الوصول. رتب في أقل من دقيقتين الحصول على عامل مقسم يصله ببيروت، ولكن بعد رشوة ثقيلة. نقل زينيان المعلومات إلى فينيان شودولسكي، الذي لم يضع الوقت بإرسال الأخبار المفرج عنها عبر البرق.

بعد دقائق فقط من إطلاق الخاطفين تهديداتهم، كانت الأخبار تنتشر حول العالم. تأكد زينيان من أن الخط ظل مفتوحاً مع بيروت وذلك بإرضاء عامل المقسم السوري براتب تقاعدي سخي. جلس دويل ماك مانوس، وهو مراسل سابق في اليونيبريسر، على الأرض بجانبي بينما كنت أهمس بما كان الخاطفون بقولونه. نقل دويل كل كلمة بكلمتها ودونها فوق دفتر ملاحظاته، ومزق الصفحة من الدفتر وناولها إلى منى زيادة التي أخذت المعلومات إلى دافيد.

استمرت التهديدات: ” لدي بندقية مصوبة إلى رأس الرهينة، وسوف أطلق النار “. استلمت إيلين الدور في حمل المادة التالية إلى دافيد. حافظنا على رقصة الباليه الغريبة هذه لعدة ساعات دون أن يلحظنا أحد. استمر اتحاد الصحافة الدولية  ( UPI ) على الاحتفاظ بتغطية حصرية لمحادثات المختطفين مع الموظفين الرسميين السوريين في برج المراقبة.

بعد فترة قصيرة كانت محطة الإذاعة البريطانية وباقي الإذاعات حول العالم تقطف ما تأتي به UPI في نشراتها الإخبارية. اتصل رؤوساء التحرير بمراسليهم في دمشق، يريدون معرفة كيف ولماذا كان اتحاد الصحافة الدولية يستطيع الاحتفاظ بمثل هذه الحصرية. كنا قادرين على إرسال التقارير عما يأكله المسافرون على الغداء أو العشاء. عندما سألنا زملاؤنا، تركنا زهوة هذا السبق إلى بيروت، قائلين أنهم التقطوها بواسطة لواقط أجهزة مذياعهم القوية. ورغم كل شيء، فقد كان يُعتقد أن بيروت هي مركز التنصت الرسمي في الشرق الأوسط. فمعظم هيئات الأخبار ترصد إذاعات الشرق الأوسط من هناك.

كل هذا قاد رئيس محطة المخابرات المركزية الأمريكية المقيم في دمشق إلى الاقتراب منا يريد معرفة كيف قٌيّضَ لاتحاد الصحافة الدولية UPI الحصول على كل هذه المعلومات بعد دقائق فقط من تبادلها فيما بين العميد الركن الخولي وبين الخاطفين. يعرف الشبح الأمريكي أنه لا السوريون ولا الباكستانيون يتفوقون في قسم العلاقات العامة. كيف كان باستطاعة خدمة برقية أن تكسب مثل هذه المعلومات القيمة في الوقت الذي ظلت فيه شبكة المخابرات الأمريكية بكل قوتها وجبروتها في الظلام؟

طارت البرقيات جيئة وذهاباً بشكل مسعور بين مراكز المخابرات الأمريكية في لانجلي, وفيرجينيا، والعاصمة السورية، بينما كان الأمريكيون يحاولون بشكل يائس اكتشاف المزيد حول مصير الأمريكيين المحتجزين على متن الطائرة. كانت وزارة الخارجية الأمريكية متلهفة أيضاً على الحصول على أي شيء تقع عليه أيدي المخابرات.

رتبنا أمراً بأعجوبة للاحتفاظ بسرنا لأنفسنا لمدة يومين كاملين قبل أن يكشفه الآخرون.

لاحظ أخيراً ضباط الأمن السوريون ما الذي يحدث وصادروا كل جهاز مذياع استطاعوا الوصول إليه. عندما اقترب مني ضابط سوري، انتزعت السماعات من جهاز المذياع ووصلتهم مع مسجلتي الصغيرة وأتحت لرجل الشرطة الذي التصق بي أن يسمع مقطعاً من معزوفة تشارلي دانيلز ” الشيطان ذهب إلى  جورجيا “. اكتشف الصحفيون الآخرون أن بإمكانهم التقاط التردد من خلال أجهزة المذياع في سياراتهم وجلسوا في سياراتهم خارج المبنى. كــان رد فـعل السورييـن أنـهم مـنعوا وجود كافة السيارات داخل ساحة موقف السيارات التابع لحرم المطار.

استجمعت القصة زخماً وهي تدخل يومها الثالث عشر، داخلة التاريخ كأطول عملية خطف لطائرة حتى اليوم. عند ذلك. كان قد تجمع أمام مطار دمشق أكثر من مائة مراسل ومصور صحفي ومصور تلفزيون كنا نعيش بشكل خاص خارج مبنى المطار الممل لوقت بأكمله، نأكل لفائف الجبن البائتة من كافتيريا المطار، وننتزع ما أمكن لنا من الوقت للراحة، وننام بالتناوب في سياراتنا، نخشى أن تفوتنا أية خاتمة. كان الترف الوحيد مؤلفاً من حمام سريع في فندق المطار القريب.

وصلت عملية الاختطاف ذروتها في مساء اليوم الثالث عشر. ربما كان للرقم ثلاثة عشر فعله في ذلك. وافقت الحكومة الباكستانية على مطالب الخاطفين وأرسلت طائرة باكستانية ثانية تحمل على متنها خمسة وخمسين سجيناً سياسياً محرراً. دخلت الطائرة بعد ساعات المجال السوري، لكن السلطات الأرضية رفضت السماح للطائرة بالهبوط. أرسل قبطان الطائرة عن طريق الراديو رسالة مفادها أنه سوف يستمر بالدوران فوق دمشق حتى يفرغ وقود الطائرة.

اختلط، على الأرض، رجال الأمن السوريين المسلحين بأجهزة الاتصال اللاسلكي مع الجنود وضباط الشرطة يحملون الأسلحة الآلية. وبينما كانوا يتجهزون لترتيب تبادل السجناء، اندلع حريق في منطقة الموجودات المفقودة.

انطلقت سيارات الإطفاء بصفارات إنذارها إلى المحطة حيث أسرع رجال الإطفاء المسعورين يرتدون خوذات، تشبه الخوذات النازية إبان الحرب العالمية الثانية، وأقنعة الأوكسجين، ويحملون خراطيم المياه والفؤوس أمام دهشة المسافرين. ملأ دخان كثيف أبيض اللون بناء المطار، مما جعل كل إنسان يشعر بالاختناق ويسعل. انساب الماء من عدد من الفتحات من خراطيم مياه رجال الإطفاء وفاض في الممرات مما زاد في الهرج والمرج.

وفي حادثة أخرى لا علاقة لها بما حدث، توقف عامل مصري مهاجر، عائد إلى القاهرة بعد قضاء عشرين عاماً يعمل في العراق، كي يصلي في مصلى المطار الصغير خلال توقف قصير في دمشق. كان المصري يحمل كل مدخرات حياته نقداً على شكل دولارات أمريكية، العملة المفضلة في الشرق الأوسط. كان هذا المال مخبأ في كيس دراهم صغير. بينما كان المصري يصلي، سرق أحدهم بهدوء ثروته التي جناها بعرقه. اختفت ثمرة عمل عشرين عاماً في العراق بلمح البصر. شنق الرجل نفسه، بعد أن انكسر قلبه وانهارت معنوياته، وذلك في غرفة الرجال، مفضلاً ذلك على العودة إلى القاهرة مكسوراً وخالي الوفاض. وصل رجال الأمن الجنائي في دمشق إلى مكان الحادث مما زاد حالة التشويش والإرباك في المطار المزدحم. وفي نهاية المطاف، كان من الصعب أن نهزم. كان لدينا طائرة مختطفة على الأرض وعلى متنها 150 رهينة ورجالاً مسلحين نصف مخبولين يهددون بتفجير رؤوس رهائنهم. وكانت هناك طائرة أخرى تحمل سجناء سياسيين تدور فوق رؤوسنا حتى يفرغ وقودها، مهددة بالتحطم فوق المدينة. جزء من المطار كان يحترق ويغرق بالماء، وبينما كان الجزء المتبقي من بناء المطار مغطى بالدخان. وجثة كانت تتأرجح في نهاية حبل في غرفة الرجال بينما يحاول محققو الجريمة السوريين حل الجريمة.

سمح لنا السوريون أخيراً، بعد التفاوض على استسلام الخاطفين، بالاقتراب من الطائرة. فتح باب الطائرة ونزل الخاطفون، الواحد تلو الآخر، على السلالم رافعين أيديهم فوق رؤوسهم. حملوا الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية في يد وشكلوا علامة النصر باليد الأخرى. قام رجال الأمن السوريون المنتظرين أسفل الطائرة بهدوء وسرعة بتجريدهم من السلاح، ثم رافقوهم إلى سيارات تنتظرهم. لكن الخاطفين لم يكونوا هم وحدهم من تم اعتقاله في ذلك المساء.

كريج كلايمور، وهو أحد الأمريكيين الذين كانوا على متن الطائرة الباكستانية سيئة الحظ، كان مطلوباً من الولايات المتحدة بدعوى قيادته لمجموعة من ثماني رجال لتهريب الهيروين. كان كلايمور قد أدين من قبل هيئة محلفين فيدرالية في بروكلين. سحبت الحكومة الأمريكية جواز سفره. تبين لنا أن الرجال الذين ظننا في البداية أنهم موظفو الخارجية الأمريكية القلقين على مصير رعاياهم الموجدين على متن الطائرة، أنهم في الحقيقة عملاء من وكالة مكافحة المخدرات ينتظرون اعتقال كلايمور. سلم السوريون كلايمور إلى عملاء وكالة مكافحة المخدرات. كانت كفالته مقابل عشرة ملايين دولار.

رهينة آخر تم التعرف عليه من قبل سلطات بلاده وهو لورانس جوردون، كندي الجنسية، على أنه محكوم هارب، وقد أبلغ عن فقدانه منذ خمس سنوات. اعتقل هو الآخر.

قمت بعد سنوات، وفي عام 1985، بتغطية عملية اختطاف أخرى، وهذه المرة لطائرة من الخطوط الجوية المصرية احتجزتها مجموعة مسلحة وأجبرتها على الهبوط في فاليرتا، على أرض الجزيرة المتوسطية مالطا. انتهت عملية الاختطاف بشكل كارثي. ست وخمسون رهينة ورجل إنقاذ فقدوا حياتهم عندما قامت مجموعة كوماندوس مصرية باقتحام الطائرة. ثلاثة من الإرهابيين الفلسطينيين قتلوا أيضاً.

احتجز الخاطفون الطائرة بعد دقائق من إقلاعها من أثينا وأجبروا قائد الطائرة على الاتجاه إلى مالطا. وبمجرد وصولها إلى مالطا، قام المختطفون باختيار ثلاثة مسافرين إسرائيلي وأمريكيان, وأطلقوا النار على كل واحد منهم من خلف الرأس ودفعوهم خارج الطائرة على أرض المدرج حيث تركوا كي يموتوا. عاش الثلاثة بمعجزة لأن الذخيرة الحية للخاطفين كانت غير صالحة.

قبل انطلاقي من لندن بوقت قصير متجهاً إلى مالطا، قام الكوماندوس المصري بالهجوم على الطائرة المختطفة. كان المطار مغلقاً بشكل مؤقت بسبب القتال الناري. ومع الوقت الذي هبطنا فيه، كانت عملية الاختطاف قد انتهت عملياً.

توجهت مباشرة إلى فندق المطار في فاليرتا لأنضم إلى ثلاثة من زملائي كانوا قد وصلوا قبلي من مدن أوروبية أخرى. بينما كنت أقوم بإملاء استمارة التسجيل الاعتيادية للفندق، توجه أحدهم من خلفي إلى عامل الاستقبال في الفندق بلكنة عربية ثقيلة.

” الرجاء يا سيدي، هل لي ببعض الغرف لرجالي “. التفت لأجد أنني كنت محاطاً بمجموعة من حوالي ثلاثين رجل كوماندوس، قد خرجوا لتوهم من المعركة. كانوا ما زالوا يحملون أسلحتهم. بعضهم كان يحمل لطخ دم طازج على سترهم. جميعهم كانت لديهم نظرة التعب والإجهاد التي يحملها كل جندي بعد تجربة قتالية وكان معرضاً فيها للقتل أو الجرح.

أجاب عامل الاستقبال بهدوء مشيراً إلي: ” عليك الانتظار ريثما أنتهي من هذا السيد “. استمر بإجراءات تسجيلي في الفندق، وأعطاني مفتاح الغرفة، متجاهلاً الجنود بشكل كلي.

وقعت بطاقة التسجيل بأسرع ما يمكن وحاولت أن أبتعد عن طريقهم. وتلك اللحظة وصل مصور فرنسي وأخذ بالتقاط الصور في وجوه الكوماندوس المصريين المتعبين. كان نوعاً من المرح أن ترى هذه المجموعات المتميزة من الجنود، من ” قوة دلتا ” المصرية، ينتظرون للتسجيل في بهو الفندق كمجموعة من السياح في نادي ( ميد ). أحاط في الحال عدد من الجنود المصريين بالمصور، طالبين منه تسليم الفيلم. جروا الرجل الخائف وهددوه بكسر آلة تصويره إن لم يذعن لهم.

قررت أن أحشر أنفي في الموضوع إنطلاقاً من ظني بضرورة الوقوف إلى جانب زميل لي في المهنة. تقدمت من الضابط الذي يحمل أكثر عدد من النجوم والنسور على كتفيه وقلت له، بأكبر قدر من اللهجة الفاشية التي استطعت التحكم بها : ” اعذرني أيها الكولونيل، هذه ليست مصر. ليس لديك أية حقوق هنا. ليس بإستطاعتك أن تأمرنا في هذا المكان. ”

أجابني: ” بلى، نستطيع، هناك ثلاثون رجلاً مسلحاً منا وانتما اثنان فقط “.

منطق الاقناع البسيط للشرق الأوسط لا يتوقف أبداً عن إدهاشي.

 

(يتبع)

الحلقة السادسة عشرة: الفصل التاسع (اليمن)

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى