بلا حدود

احياناً كثيرة يمثل بعض البشر لكي يصلوا إلى الحقيقة التي يبتغونها ..!

ماهر المملوك

أحيانًا كثيرة ، لا يكون الوصول إلى الحقيقة طريقًا مباشرًا ،بل يتطلب قدرًا من “التمثيل” الواعي، أي القدرة على قراءة الأدوار كما تُمارَس لا كما تُعلَن. من هنا، يمكن فهم مفارقة هذا العصر: لماذا تبدو بعض الشخصيات التي تدير الشأن العام سواءا ً الاقتصادي والاجتماعي وغيره وغيره ، بل المؤسسي عمومًا، أسيرة لأنماط من الأنانية والنرجسية، تميل إلى التسلط والتشبث بالمواقع إلى ما لا نهاية؟ هل نحن أمام خلل فردي، أم أمام منظومة تُعيد إنتاج هذه السمات وتمنحها الشرعية؟

الإجابة الأقرب إلى الدقة تكمن في التداخل بين الاثنين. فالمسارات التي تقود إلى مواقع التأثير غالبًا ما تكون شديدة التنافس، تُكافأ فيها الجرأة والثقة العالية والقدرة على فرض الرأي. هذه الصفات، في أصلها، ليست سلبية،

بل تشكّل جزءًا من مقومات القيادة. غير أن اختلال توازنها يحوّلها تدريجيًا إلى نرجسية مفرطة، ترى في المنصب امتدادًا للذات، لا مسؤولية تجاه الآخرين. وهنا يبدأ “التمثيل”: حيث يتماهى الدور مع الشخص، ويصبح الحفاظ عليه هدفًا بحد ذاته.

لكن هذا التفسير الفردي لا يكفي. فالبنية المؤسسية تلعب دورًا حاسمًا في ترسيخ هذه الظاهرة. في البيئات التي تضعف فيها آليات التقييم والمساءلة، لا تعود القواعد المنظمة لتداول الأدوار سوى نصوص شكلية. ومع غياب التطبيق الفعلي، تتحول المواقع إلى مساحات مغلقة، يُعاد فيها إنتاج نفس الأسماء، وتُقصى فيها فرص التجدد. في مثل هذه السياقات، لا يحتاج الفرد إلى كفاءة استثنائية بقدر ما يحتاج إلى القدرة على التكيّف مع قواعد غير مكتوبة، وإتقان “لعبة البقاء”.

إلى جانب ذلك، يبرز البعد النفسي بوضوح. فالمناصب لا تمنح فقط امتيازات مادية، بل توفّر شعورًا بالاعتراف والأهمية. ومع الزمن، قد يندمج الفرد مع موقعه إلى درجة يصعب معها الفصل بين هويته الشخصية ودوره الوظيفي. عند هذه النقطة، يصبح التخلي عن المنصب أشبه بفقدان جزء من الذات، لا مجرد انتقال مهني طبيعي. وهنا يتعزز الميل إلى التمسك، حتى وإن كان ذلك على حساب فاعلية المؤسسة نفسها.

وبشكل عام ، فبعض البيئات تميل إلى تمجيد “الحضور القوي” والاستمرارية الطويلة، باعتبارهما دليلًا على النجاح والاستقرار. هذا التصور يمنح غطاءً اجتماعيًا لاستمرار نفس الوجوه، ويحوّل البقاء في الموقع إلى قيمة بحد ذاته، بدل أن يكون الأداء والتجدد هما المعيار. كما أن تشكّل شبكات المصالح حول بعض الأفراد يعقّد مسألة التغيير، إذ لا يعود الأمر مرتبطًا بشخص واحد، بل بمنظومة مصالح متداخلة تستفيد من استمراره.

وتتجلى ذروة هذا الخلل في ظواهر مثل حصر الفرص ضمن دوائر ضيقة أو إعادة تدوير الأدوار بين نفس النخب. هنا، لا تكون المشكلة أخلاقية فحسب، بل بنيوية أيضًا، إذ يتراجع مبدأ تكافؤ الفرص، وتُغلق الأبواب أمام الكفاءات الجديدة، ما يضعف قدرة أي منظومة على الابتكار والتطور.

مع ذلك، من المهم تجنب التبسيط. فالمسألة ليست “صراع بقاء” بالمعنى البيولوجي، بقدر ما هي نتيجة لغياب قواعد عادلة تنظّم هذا البقاء. عندما تكون معايير التقييم واضحة، والمساءلة حقيقية، والفرص متكافئة، يصبح تداول الأدوار أمرًا طبيعيًا، وتتحول المواقع إلى مسؤوليات مؤقتة ضمن دورة مستمرة، لا إلى ملكيات دائمة.

في الخلاصة، “التمثيل” هنا ليس خداعًا بقدر ما هو أداة لفهم الواقع: قراءة ما يحدث خلف الخطاب الرسمي، واكتشاف الفجوة بين الدور كفكرة والدور كممارسة. وما نراه في هذا العصر ليس مجرد خلل في أشخاص بعينهم، بل انعكاس لتفاعل معقّد بين النفس البشرية، وهشاشة بعض البنى المؤسسية، وأنماط ثقافية تُمجّد الاستمرارية أكثر مما تُكافئ التجدد. ومعالجة هذا الواقع لا تبدأ بإدانة الأفراد، بل بإعادة بناء قواعد اللعبة نفسها، بحيث تُضبط الطموحات ضمن إطار يخدم المصلحة العامة، ويمنع تحوّل “التمثيل” من وسيلة لفهم الحقيقة إلى أداة لحجبها.

بوابة الشرق الأوسط الجديدة

 

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى