كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة السادسة)

كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

 

تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

 

 الحلقة السادسة

 

الفصل الخامس

                          أكاديمية الإرهاب

 

                                                               لم يكن للثورات أن تخفف من وطأة الإرهاب أبداً: إنها

                                                                    فقط تنقله من كتف إلى كتف.

                                                                                                                   ـ جورج برنارد شو

 

كانت بيروت مدينة نموذجية للصلات، فهي تُشبه إلى حد ما لشبونة أو الدار البيضاء قديماً. إنها تقدم، كقاعدة للمراسل الأجنبي، ما لا تستطيع تقديمه أية عاصمة أخرى في العالم العربي. كانت كل منظمة ثورية تقريباً ممثلة في بيروت قبل اندلاع الحرب الأهلية، من المنظمات الفلسطينية المشهورة إلى المجموعات الأكثر غموضاً مثل الجبهة الشعبية لتحرير الصحراء الغربية، وجبهة الشعب الأريترية، وحركة التحرير الشعبية لجزر الرأس الأخضر. ومن المثقفين العراقيين الذين تنتابهم مشاعر الانتقام من حكم حزب البعث في العراق إلى ضباط الجيش السوري الفارين والمقيمين على بعد خطوة من أنف جلادهم، وجميعهم يتجمعون في بيروت. إنهم يشعرون بالأمان من الاضطهاد، وبإمكانهم بث دعايتهم بحرية إلى العديد من الصحف اللبنانية والمراسلين الأجانب. يعقد العديد منهم مجلساً على نحو معتاد في ملهى الحدوة.

كان شاعراً عراقياً فلسطينياً ذلك الذي قابلته في ملهى الحدوة والذي كان أول من أخبرني عن ” أكاديمية الثوار “. اجتمعنا في ركن من أركان المقهى، نتهامس بنبرات تآمرية ونحن نلتهم ” طبق اليوم “، بينما كان الشاعر يصف هذه المدرسة الخاصة حيث يتعلم ” المقاتلون من اجل الحرية ” من حول العالم مهارات خاصة جداً، مهارات لا يمكن تحصيلها في المعاهد التعليمية النظامية. أخبرت صديقي الشاعر أن ذلك يشكل مادة لقصة عظيمة. أية صور رائعة يمكن أن يأتي بها مثل هذا التقرير! وافقني على ذلك ولكن للآسف فإنه لم يسمح لأي صحفي أن يطأ بقدمه ذلك المكان. كانت المدرسة في نطاق السرية والقليل من الناس، حتى ضمن الجبهة، يعلمون بوجودها. سألت الشاعر فيما إذا كان بإمكانه المساعدة في إدخالي ضمن ترتيبات التدريب، ووافق على المحاولة.

قدمني الشاعر، بعد مضي أسبوع، إلى عراقي آخر يعمل لصالح منظمة أحمد جبريل وهي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( القيادة العامة ). عرفت هذه المجموعة باسم ( PELP – GC ).

كان ذلك قبل عدة شهور من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وكانت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( القيادة العامة ) ما زالت غير معروفة كثيراً خارج منطقة الشرق الأوسط، كذلك الأمر بالنسبة لقائدها أحمد جبريل ولمساعده أبو العباس.

 تثقفت بموضوع ” الأكاديمية ” على يد الشخص الجديد الذي تعرفت عليه. وبعد أسابيع من الاتصالات والمفاوضات المكثفة، ومن الاجتماعات اليومية في مكاتب صاخبة وأقبية مبهمة، مُنحت أخيراً الإذن بزيارة المدرسة. وُضع شرطان لزيارتي هما: أنه كان علي أن أعد بعدم نشر موقع المخيم بالضبط، وأنه ليس بإمكاني التقاط صور تُظهر مشاهد عامة للموقع. عندها فقط سُمح لي بقضاء ثلاثة أيام في هذا المعهد الفريد من نوعه.

كان منهاج الأكاديمية بسيطاً ويتضمن التكتيكات الثورية الرئيسية الفردية. كان كل التلاميذ متطوعين، وعبارة عن أناس غالباً ما يُنعتون بالعالم الغربي بالإرهابيين. ومع هذا فإنهم بالنسبة للآخرين، كانوا ” مقاتلين من أجل الحرية “. أتوا من كل بقاع الأرض. بعضهم كان من العالم العربي المضطرب: من الأردن، وسورية، ولبنان، وليبيا، وبعضاً منهم كان من زمرة الجيش الأحمر، ومتطوعين في الجيش الجمهوري الإيرلندي، ومن إقليم الباسك الذي يعارض الحكم الإسباني، ومن المتطرفين الألمان من جماعة بادرماينهوف، و3 من الإنفصاليين الكورسيكيين الذين ينشدون الإستقلال عن فرنسة. وكانوا يضمون بينهم مقاتلي حرب العصابات من وسط وجنوب القارة الأمريكية: مثل البيرو وتشيلي والسلفادور. كما كان حاضراً بينهم إيرانيون معارضين لنظام حكم الشاه وخريجي غرف تعذيب السافاك الرهيبة.

يتحدث كل الثوريين الشباب لغات مختلفة، لكنهم يتقاسمون كرههم المشترك لـ ” الامبريالية ” و ” الرأسمالية ” و” الصهيونية”. أقسم الجميع على القتال حسب أسبابهم التي يؤمنون بثبات أنها تستحق أن يُقتل أو يموت الإنسان في سبيلها. معظم هؤلاء الرجال في رأس قوائم المطلوبين في بلدانهم. والعديد منهم شارك في هجمات إرهابية. إن أجهزة الاستخبارات مثل جهاز الموساد الاسرائيلي القوي. وجهاز المخابرات البريطانية MIS ، وجهاز الاستخبارات الفرنسية S.D.G.C.E. مستعدة لدفع ثمن غال لتعلم المزيد عن ” جامعة الإرهاب الدولي” هذه . كانت فرصة نادرة بالنسبة لي أن يُسمح لي بدخول مثل هذا المكان. وكان شعوراً غريباً وهائلاً أن تشارك الطعام مع عدة مئات من البشر الذين تعلم أنهم لن يترددوا بالقتل، أو بزرع قنبلة تحت سيارتك، أو أن يخطفوا طائرة. وفي كل مرة سافرت فيها منذ ذلك اليوم، كنت أدقق النظر في رفاقي المسافرين، لعلي أستطيع أن ألمح وجهاً مألوفاً.

كانت المدرسة موضوعاً مثيراً للتغطية دون أدنى ريب، لكن شعوراً بعدم الراحة تملكني تجاهها. ما كان غريباً هو أن أولئك الرجال الشبان كانوا يبدون ودودين. لم يكونوا، فيما عدا استثناءات قليلة جداً، ينطبقون مع الفكرة الغربية عن ” صورة الإرهاب “. ومع ذلك أعلم أن العديد، إن لم نقل جميع الرجال الموجودين سوف يقتلون يوماً ما إنساناً آخر. بعضهم سوف يقتل في معركة ، والبعض الآخر بسبب زرع قنبلة يمكن أن تحصد أرواحاً بريئة. سيضرب هؤلاء الرجال الأرض ناشرين الإرهاب. لقد كانت لحظة من تلك اللحظات التي يغدو فيها من الصعب أن تكون مجرد مراقب.

تتراوح أعمار المجندين الجدد ما بين سن المراهقة وبين أواخر العشرينات، وكانوا يرتدون زياً موحداً بلون الكحلي أو الأخضر الزيتي الباهت دون أية إشارات. أقاموا في كهوف كبيرة محفورة في عمق الصخر تحت الجبال الشاهقة في الريف السوري، على بعد ثلاثين كيلومتراً خارج مدينة دمشق. حملت قصتي على أي حال، عنواناً بسيطاً هو ” في مكان ما من الشرق الأوسط “. لقد أضاف هذا العنوان مسحة من الغموض والخداع.

تعلم الطلاب أفضل فنون القتال. درب المعلمون الفلسطينيون الرجال على استخدام الأسلحة، من الأسلحة الصغيرة إلى الأسلحة الرشاشة الخفيفة. تعلم المتمردون على الاضطلاع بتشكيلة واسعة من أسلحة الموت والمتفجرات، بما فيها الألغام الأرضية، والقذائف الصاروخية اليدوية، وقذائف الهاون، والبنادق الآلية.

كانت منظمة أحمد جبريل ( الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة ). تدير المدرسة كان جبريل في الأصل ضابطاً في الجيش السوري، ويتمتع بعلاقات وثيقة مع سورية، التي مّولت عمليته وأمّنت له الدعم اللوجستي. منذ ذلك الحين، بدّل جبريل تحالفه باتجاه العراق وليبيا وإيران، منفذاً بين الفينة والأخرى مهمات لسورية على طول الخط.

كان حجم المخيم قرية صغيرة. وكان مقطوعاً تماماً ضمن الصخر. حفر المجندون الجدد مجمعات النوم، والمطابخ، وصفوف التدريس، ومخازن السلاح والذخائر، ومجمعات القيادة، والذين حفروا دون هوادة دهاليز جديدة وأنفاق جديدة لحماية أنفسهم من هجمات اسرائيلية محتملة.

كان التدريب شاقاً. ينطلق بوق الاستيقاظ مع شروق الشمس، حوالي الساعة الخامسة وكان يتبعه على الفور عدو وئيد شاق عبر التلال المحيطة. كانت كافة النشاطات، بما فيها الوجبات، تُقطع بـ ” الإنذارات ” وذلك للإبقاء على الجاهزية في حالاتها القصوى. يتخلى الطلاب الثوريون، خلال فترة النهار والليل، بشكل فوري عن أي شيء يعملون به، عند إشارة مرتبة مسبقاً، ويثبتون وجودهم من أجل عدوٌ وئيد، وتدريبات عسكرية، وتمارين قصيرة.

كانت الأيام تمضي وهم يتعلمون كيفية استخدام المسدسات، والبنادق الآلية، والرشاشات الآلية، ومدافع الهاون، والبازوكا. كان يُطلب من الطلاب وهم معصوبي الأعين أن يفكوا، وينظفوا ويجمعّوا أسلحتهم ضمن تامين محدد.

يدرب معلم فلسطيني، فقد ثلاثة أصابع في يده اليسرى وإصبعين في يده اليمنى في حقل تدريب قريب، صفّه على الاستخدام المناسب لمدافع الهاون. تعلم مغاوير المستقبل كيف يركبون، ويهدّفون، ويطلقون النار، ويفكوّن مدافع الهاون من عيار 60 مم  و80 مم و120مم.

“يجب عليكم أن تكونوا قادرين على إطلاق النار من عشرة إلى خمس عشر قذيفة هاون من عيار 60 مم على عدوكم، وأن تفكوا المدفع، وأن تغيروا موقعكم حتى قبل أن تسقط أول قذيفة .” هذا ما شرحه المعلم. بعد ذلك قلم بعرض التقنية.

علّم فلسطيني أسود الوجه بشكل واضح، في حقل آخر، طلابه كيف يناورون بأجهزة الآربي جي ( وهي قاذفات صاروخية). كان يمكن للمجموعة أن تعبر إلى صف خارجي في التدريب على الطبيعة إن لم يكن من أجل الأسلحة. جلس الرجال فوق العشب تحت شمس الصباح الدافئة بينما كانت فرق مؤلفة من رجلين تأخذ دورها في إطلاق قنابل يدوية على براميل نفط فارغة تبعد حوالي خمسمائة ياردة.

بما أنه لم يسبق لي أن رأيت جهاز آر. بي. جي. يطلق قذيفة من قبل، فقد اتخذت لنفسي موقعاً خلف الصاروخ تماماً، آملاً أن التقط صورة ” الطالب ” من الخلف بينما يطلق قذيفته. ظننت أنها زاوية جيدة.

توجه المعلم سائلاً بنغمة هادئة ومريحة: ” يا رفيق، ما الذي تفعله؟ “.

شرحت له غرضي ” الفني “، مشيراً إلى جمال الصورة التي يمكن التقاطها، مشيراً للمعلم إلى لحظة الاطلاق وكيف سيجتمع كل ذلك في نفس الصورة.

تابع المعلم قائلاً: ” حسناً يا رفيق، ولكن هل لي أن أقترح عليك أن تقف جانباً، بدلاً من الوقوف إلى الخلف تماماً. أنت ترى كيف أن البخار المنطلق من الآربي جي يصل حوالي الخمسة عشر متراً. أي شيء يقف خلفه سوف يحترق حتى    الرماد “.

وجد بقية أعضاء الصف الموقف مضحكاً. تحركت خجلاً إلى الجانب.

يخضع الرجال بعد غروب الشمس إلى تعليم سياسي، يبحثون فيه الماركسية ـ اللينينية وشرور ” الامبريالية ـ الصهيونية والرأسمالية “.

يتخرج الطلاب بعد أسبوعين من العقاب الشديد. يحتفلون في يومهم الأخير بـ ” تمارينهم التنفيذية ” وذلك بأن يحملوا معلمهم فوق أكتافهم بينما يركضون عبر المخيم. رأيت للمرة الأولى خلال الأيام الثلاثة التي أمضيتها في المخيم، ابتسامات تظهر على وجوه هؤلاء الصبية القساة. وللحظة قصيرة، استُبدل بغضهم بالغناء والرقص والسعادة.

مجندون شباب يحتفلون بعد إكمال دورتهم في “أكاديمية الإرهاب”.

 نسوا، لمجرد لحظة قصيرة، الجو الذي نشأوا فيه، والظروف التي قادتهم إلى حيث كانوا في ذلك اليوم. كان لدى كل واحد منهم قصة تكسر القلب ليرويها. كان لكل واحد منهم أسبابه لأن يوجد هنا، ولأن يريد إيذاء الآخرين، وأن يقتلهم ويدمرهم.

أياً كان المكان الذي أتوا منه، سواء كان فلسطين أو البيرو، فقد كانت القصص متشابهة، والدوافع متماثلة. عاشوا جميعهم مظالم سياسية واجتماعية، وهذا هو الطريق الوحيد الذي عرفوه لتصحيح أخطاء مجتمعاتهم.

 

(يتبع)

الحلقة السابعة: الفصل السادس (الأحداث) 6/1

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى