كتاب في حلقات

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة العاشرة 6/4)

كلود صالحاني

من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء

صحافي في الشرق الأوسط

 

  

 

تأليف: كلود صالحاني                                     ترجمة: نضال بديع بغدادي

 

 الحلقة العاشرة

(6/4)

 

يتجرأ الناس في بيروت على مغامرة الخروج فقط في ساعات الصباح الباكر، عندما تبدو القوى المتحاربة أنها قد أُنهكت من قتالها طوال الليل، وقد أخذت استراحة اضطرارية. وهكذا وبموجب اتفاق غير خطي، فإن وقفاً غير رسمي لإطلاق النار يعلن كل صباح ويتوقف القتال لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات. يسمح هذا الهدوء المؤقت لسكان المدينة بالخروج من ملاجئهم أو شققهم للتزود بالفواكه الطازجة، وبالخضروات، والخبز، والصحف، والبطاريات اللازمة لأجهزة المذياع ولأدوات الإضاءة. كانوا يعينون بضعة دقائق لتفحص سريع للمناطق المجاورة الممزقة لتقديرهم حجم الأضرار وللاطمئنان على منازلهم، وليستجلوا مدى رعب جيرانهم، وبعد ذلك يعودون كالخلد مسرعين إلى ملاجئهم الآمنة تحت الأرض.

اقتحم القتال العنيف كافة المراقص وصالات العرض السينمائية والمطاعم المقفلة. وحتى حانة حدوة الحصان ظلت مقفلة تتوقف في أوقات مثل هذه، الحياة الليلية العامة في لبنان توقفاًَ تاماً. ومع ذلك، يرفض بعض السكان تقييد أنفسهم بالحرب، ويأخذون باستقبال وضيافة حفلات عشاء نابضة بالحياة. وفي المحصلة الأمر، هكذا كانت بيروت، حتى إن الحرب لن تستطع كفّ سكانها عن الاستجمام.

إن للبنانيين قدرة على الاستمتاع بمباهج الحياة لم يستطع عقد ونصف من زمن الحرب أن يستأصلها. ظلت الجبنة وأنواع الخمور الفرنسية متوفرة، حتى وإن كانت الأسعار قد تضاعفت. واستمر استيراد سمك السلمون المدخّن من اسكوتلندا والكافيار من إيران. وظل الناس يتأنقون بملابسهم للعشاء، وظل الضيوف دائماً وبشكل من الأشكال مصرين على الحضور مع باقات الورد الطازجة. لم يكن هناك على الإطلاق نقص في المشروبات الكحولية. كانت أكشاك عرض السلع فوق أرصفة المشاة تظهر فجأة كلما أجبرت المخازن النظامية على ألإغلاق، لتبيع الكونياك الفرنسي والفودكا الروسية.

أقمت ذات مرة حفلة راقصة بملابس تنكرية لأكثر من أربعين ضيفاً. أحد الأصدقاء الذين ارتدوا زي مصاص الدماء كان يضحك عندما وصل إلى باب منزلي قائلاً: ” كان عليك أن ترتدي وجه رجل الميليشيا عند المتراس في أسفل الشارع. لأول مرة كنت أنا من أخافه. “.

عندما تجاوز القتال حدوده الاعتيادية، كنا ببساطة نزيد من درجة صوت آلة التسجيل ونغمر ضجيج القنابل. وغالباً ما كان الضيوف يقضون الليل مع مضيفهم ويستفيدون من هدنة الصباح للعودة إلى منازلهم.

بعد حفلة عشاء ليلية أقمتها في منزلي، غادرت صديقة، اسمها مايفاجولي، شقتي في الصباح الباكر من اليوم التالي لشراء سجائر. وفي الطريق عودتها إلى شقتي، سألت رجلاً لبنانياً كبير السن قيما إذا كان يحمل ولاعة باللغة الفرنسية  (DU FEU).

جأر الرجل المسن بصوت عال بالفرنسية: ” ولاعة أيتها الآنسة؟ ولاعة‍! أتريدين ولاعة؟ “. وأضاف معلناً بقوة: ” ولكن يا آنستي، إن المدينة بأكملها تحترق! “. ومضى بهدوء مبتعداً وهو يهز برأسه.

بعض أكثر الأشخاص إثارة للاهتمام من الذين قابلتهم في بيروت خلال الحرب الأهلية كن نساء تورطن بعمق في الصراع.

كانت ليا، أو ليلى كما كان شائعاً تسميتها، شيوعية متحمسة ـ ماركسية لينينية صادقة ونقية تؤمن بصدق      بـ ” القضية ” ـ ومن النوع النادر تماماً في أي ثورة، تُركت وحيدة في لبنان. تؤمن ليا بدولة اشتراكية مثالية وطوباوية مبنية على أسـس إنجيل كارل ماركس ولينين وإنجلز وماو وغيفارا.

كانت ليا طبيبة إيطالية تعمل مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة. كانت وإلى حد بعيد أكثر النساء فتنة وإثارة بين جميع النساء اللواتي قابلتهن خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

يعود التزام ليا بالثورة الاشتراكية إلى أيام طفولتها المبكرة خلال الحرب العالمية الثانية، عندما، قامت وهي في العشرينات من عمرها بتقديم المساعدة بشكل صريح للشيوعيين الإيطالين الذين فروا من بين أيادي الفاشيين الإيطالين قادتهم عبر الجبال الألب الإيطالية إلى الأراضي السويسرية حيث الأمان.

وكالعديد من الشيوعيين الأوروبيين، اعتنقت القضية الفلسطينية وانضمت إلى صفوف فتح، تنظيم ياسر عرفات الرئيسي في منظمة التحرير الفلسطينية، أرادت أن تساعد الشعب الفلسطيني في حقهم ” بالصراع  ضد الظلم”.

أصاب ليا الإحباط سريعاً بسبب ” الأساليب البرجوازية والفاسدة ” لفتح ووجدت أن حركة ياسر عرفات لن تكون لا يسارية ولا ثورية بما يكفي ليرضيها. كان المقاتلون الشبان من أجل الحرية في فتح حسب وجهة نظرها قد “كرسوا الكثير من الوقت لتعويد أنفسهم على حياة بيروت الليلية بدلاً من التسلل إلى الأراضي المحتلة. ” ارتدت إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي يرأسها نايف حواتمة. تزوجت خلال مهمتها في الجبهة الديمقراطية، من كادر سياسي فلسطيني. رزقا بطفل أسمياه فيتوريو نسبة إلى كلمة النصر بالإيطالية.

على الرغم من أن الجبهة الديمقراطية كانت أكثر راديكالية وتسييساً من فتح، فقد اختلفت هنا أيضاً مع الايديولوجية السياسية، وقررت مرة أخرى الانتقال بحثاً عن الثوريين الحقيقيين. وتطوعت مع جبهة أحمد جبريل الشعبية – القيادة العامة.

عاشت ليا وفيتوريو، الذي كان عمره آنذاك اثنتا عشر سنة، في ” شقة محررة ” حولتها إلى عيادة مجانية. كانت الشقة تقع تماماً في آخر شارع كلمينصو، في منتصف المسافة تقريباً ما بين السفارة الفرنسية والحي اليهودي. كانت الشقة الأرضية ملكاً لعائلة مسيحية لبنانية فرت من ذلك الحين باتجاه بيروت الشرقية. عاش العديد من أغنياء المسيحيين ومن الطبقة المتوسطة العليا منهم والعديد من الأجانب ما قبل الحرب في منطقة كلمينصو. أما الآن فإن معظم المنازل والأبنية السكنية قد احتلت من قبل الأكراد والفلسطينيين وفقراء الشيعة اللبنانيين الذي إما أنهم هربوا من بلدات الأكواخ وخيام اللاجئين أو أنهم زحفوا باتجاه العاصمة من الجنوب اللبناني بحثاً عن العمل. اقتحم هؤلاء اللاجئين الوافدين الجدد المنازل الفخمة، التي سبق وأن أخليت من قبل أصحابها السابقين، ونهبوا أي شيء استطاعوا الوصول إليه. باع الأكراد السجاد الفارسي الثمين والنادر، وآنيات الزهور الثمينة، وأنواع أخرى من الآثار القديمة لقاء حفنة من الدولارات في شوراع بيروت الغربية.

عالجت ” الدكتورة “، كما يسميها مرضاها تحبباً، أي شخص أتى لرؤيتها بشكل مجاني تماماً، وهو أمر نادر الحدوث في بيروت. من بين مرضاها عدد من اليهود اللبنانيين الذين ظلوا مقيمين في لبنان. كانوا إما فقراء جداً أو كباراً في السن جداً بحيث لا يستطيعون مغادرة البلد. عملت ليا أيضاً كطبيبة ميدانية وعالجت المقاتلين الفلسطينيين واليساريين الذين جرحوا خلال الصدامات على طول خط بيروت الأخضر. كان زوج ليا، الذي ما زال عضواً فاعلاً في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، مطلوباً من السوريين وظل مختفياً في مكان ما في وادي البقاع. كان يقوم أحياناً بزيارات مفاجئة، محمياً بعدة حراس مسلحين تسليحاً ثقيلاً، وذلك لرؤية زوجه وطفله لبضع دقائق، ومن ثم يختفي بالسرعة نفسها التي وصل بها. كانت زياراته مختصرة وغير محددة المواعيد.

عاشت ليا وفيتوريو على راتب ضئيل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة. يقوم رجلان من الميليشيا ظهيرة كل يوم بتقديم ملء قدر من الأرز والفاصولياء مع قطع من اللحم وعدد من أرغفة الخبز العربي، إلى ليا وابنها. تكون هناك في بعض الأيام بندورة وخيار أيضاً. وغالباً ما كانت ليا تشارك وجبة المقاتلين المتحصنين في الخط الفاصل على بعد ميل أو أقل.

كانت ليا ترتدي دائماً اللباس العسكري ذي اللون الخاكي. يرتبط بحزامها مسدس من عيار 12مم لا يترك خاصرتها أبداً حتى وهي تقوم بمهمتها التمريضية، وتلك كانت عادة أخرى من أيام شبابها. كانت في أوائل الأربعينات من عمرها، متجاوزة إلى حد ما وزنها الطبيعي وقصيرة في الطول، تمتلك شعراً مجعداً أسود اللون قاتماً، وعينان ثاقبتان. وبمعنى آخر، فقد كانت أماً إيطالية نموذجية.

يحمل فيتوريو الشاب مسدساً أيضاً. كان يفخر بامتلاكه مسدساً آلياً من عيار 9 مم يلعب به باستمرار، تماماً كما يمكن للطفل أن يلعب بلعبته، مع فارق واحد هو أن ذلك كان مسدساً حقيقياً. ويمتلك فيتوريو أيضاً بندقية رشاشة من نوع AK – 47 وفي أحد الأيام، بينما كنت في زيارة لليا في عيادتها، أطلق فيتوريو فجأة النار من مسدسه. مرت الرصاصة على بعد إنشات قليلة من رأسي، مقتحمة جهاز الأشعة. توقعت، بعد أن تغلبت على خوفي الأولي، أن تقوم الأم بالتخلي عن الأسلوب الإيطالي في معالجة الأمر. كل ما تلى ذلك كان مجرد توبيخ بسيط.

” أي نوع من الثوار يعلمونك أن تكون، ها؟ ماما. ” واستدارت إلي مضيفة: ” عندما كنت في مثل سنه، كان علينا الحرص على كل رصاصة. أما الآن، فإن هؤلاء الشباب يضيعون الذخيرة الحية. إنهم يطلقون النار من أسلحتهم في الهواء. من أجل اللعب. أي إسراف! أي نوع من الثورة هذه؟ “.

كان فيتوريو طويلاً بالنسبة إلى سنه. كان نحيلاً وحسن المظهر جداً بشعره الأشقر المرسل وعيناه الزرقاوين، وابتسامته الجميلة. كان هو من علمني كيفية استخدام المسدس والبندقية الرشاشة من نوع AK – 47. قضى فيتوريو ساعات يوجهني حول كيفية فك، وتنظيف، وإعادة تركيب بندقية الرشاشة من الصنع السوفيتي. كانت لدى فيتوريو عادة سيئة أيضاً وهي ترك رباط حذائه مفكوكاً، وهو ما كان يزعج والدته كثيراً. كان ذلك يحزنها أكثر بكثير من لعبه بالأسلحة.

اعتادت على توبيخه باللغة الإيطالية قائلة: ” فيتوريو. ماذا لو أن الكتائب هاجمتنا وكان علينا الهرب. رباط حذائك مفكوك وسوف تتعثر وتقع وعندها سيتمكن الكتائبيون من إطلاق النار عليك وقتلك. ” وتضيف وهي تطوح بيدها في الهواء قائلة: ” ليست هذه طريقة للقتال في الثورة آه يا أمي .”

كنا نقضي الساعات أنا وليا نثرثر باللغة الإيطالية. كنا نتحدث أحياناً حول سياسات الشرق الأوسط بينما كانت تطهو المعكرونة. رغم أنها كانت ثورية حقيقية، إلا أنه كان هناك قدر من الأرز والفاصولياء والخبز العربي مما تستطيع أن تأكله. كانت ليا تخبرني كيف أن الماركسية اللينينية يمكن لها ذات يوم أن تغير وجه العالم. وكنت التهم المعكرونة.

بينما كنا، في عصر أحد الأيام، نتجادل حول شيطانية الامبريالية بعد أن تناولت وجبة ثقيلة من المعكرونة اللذيذة وصلصلة البندورة المحضرة في المنزل، فرملت سيارة جيب بصوت حاد متوقفة خارج العيادة. دخل رجلان مسلحان شابان يصعدان السلالم ليخبرا الدكتورة انها مطلوبة للتواجد على وجه السرعة في قيادة المنطقة. اختطفت ليا حقيبتها وطلبت مني أن أتبعها. وفعلت ظناً مني أنه يمكن أن يكون هناك قصة ما.

تبعنا السيارة الجيب بسرعة خطيرة جداً نحو قطاع الأعمال القديم في باب إدريس، والذي كان ذات يوم مركز التجارة  والأسواق القديمة. تحولت الشوارع الآن إلى شوارع مقفرة تماماً. احترق كل مخزن، أو نهب، أو تم تدميره. لقد اختفت الأسواق، ولم يتبق سوى المقاتلين وحفنة من الصحفيين الذين يغامرون بالوصول إليها من المنطقة الحمراء. توقفنا عند نهاية طريق مسدود خارج بناء محترق ممتلئ بالندوب وبالحفر الناجمة عن القنابل وعلامات الرصاص التي جعلت منظره بائساً.

كان بناء قرب خط الجبهة من آثار الحرب. شوهت حفر عميقة وكبيرة مئات من المنازل وكتل المكاتب. أغرقت خطوط الماء الرئيسية المتفجرة بعض الشوارع التي امتلأت لتوها بالأنقاض والنفايات المهملة. دمرت كافة أبنية المدينة. لم يكن هناك أي بناء لم يمس. وكلما اقتربنا أكثر من الخط الأخضر، بدت الأبنية أنها قد عانت أكثر.

عزز مدخل البناء بالسواتر الترابية. تولت ليا فسح الطريق إلى أعلى عبر بيت السلم المعتم باتجاه شقة كبيرة كانت قد حولت إلى مركز قيادة المنطقة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة. طلب إلينا أنا وليا، عندما دخلنا إلى غرفة المعيشة التي تحولت الآن إلى ” غرفة عمليات “، الجلوس. كانت هنا مجموعة من حوالي عشرين قيادياً من الفلسطينيين الفدائيين متواجدين في الغرفة. لاحظت بينهم أحمد جبريل القائد الراديكالي للجبهة.

استهل جبريل الكلام قائلاً: ” ايها الرفاق. دعوناكم إلى هنا لننهي خطط الهجوم على الهوليداي إن. ”

أووه! لم أغامر بالتواجد في المكان الخطأ. همست في أذن ليا بأنه يجب علي المغادرة فوراً.

قالت: ” لا، لا. اجلس، كل شيء على ما يرام. ” لا شك أن كل شيء كان على ما يرام، إلى أن لاحظ جبريل أو واحد من الآخرين أن هناك صحفياً بينهم. غصت في مقعدي ووضعت النظارات الشمسية، معتمداً بسذاجة أن ذلك سيساعدني في التخفي إلى حد ما.

تابع جبريل كلامه قائلاً: ” خُطط أن يشن الهجوم هذا الأحد، أبو أحمد، هل رجالك جاهزون؟ “.

حاولت ثانية إخبار ليا أنه يجب علي بالفعل المغادرة. لقد كان هذا اجتماعاً حصرياً للأعضاء فقط.

أجابت بالإيطالية: ” كلا، اجلس، اجلس، اجلس “.

ناداها جبريل قائلاً: ” دكتورة “.

ظننت أنها اللحظة الحرجة. لقد اكتشفني، وسوف يقوم بطردي وقتلي.

كرر جبريل: ” دكتورة. هل لديك ما يكفي من الدم؟ ” أوجز القائد الفدائي عدد الإصابات المتوقعة ووعد الدكتورة بمزيد من الدم وبثلاثة مساعدين طبيين.

فُرشت فوق الطاولة خريطة كبيرة ومفصلة لمنطقة الفندق، وانكب فوقها قادة الميليشيا الفلسطينيين، يتفحصون كل تفصيل. تقدمت المجموعة بوصف مفصل حول كيفية شن الهجوم الأخير على آخر معقل كتائبي في بيروت الغربية. كان هناك حوالي مائة مسيحي ما زالوا واقعين في شرك حصار الهوليداي إن.

عندها كنت قد تجاوزت الاهتمام. لقد عرفت لتوي أكثر مما يجب لأبقى حياً. إنه مجرد وقت قبل أن يلاحظ أحدهم أنني لم أكن واحداً منهم. كان هناك عشرون عضواً ناضجين تماماً في واحدة من أكثر الحركات الفلسطينية راديكالية ورعباً موجودين في الغرفة، ولم يلاحظ وجودي أي واحد منهم.

استمر الاجتماع لمدة ساعة كاملة، غادرنا بعدها أنا وليا. أنزلتها عند العيادة، وهرعت إلى المنزل، حيث قمت بتحضير نفسي استعداداً للأيام القادمة، مقتنعاً أنهم سوف يأتون لاعتقالي. كانت كل قرعة فوق الباب تجعلني أقفز. وكلما توقفت سيارة خارج بنائي، اعتقدت أن ساعة أجلي قد أزفت.

مضت الأيام ولم يحدث أي شيء ذلك الأحد. كان الهجوم على الهوليداي إن قد تم تأجيله، وأطلقت زفرة ارتياح عميقة.

عاشت جوسلين على الطرف الآخر من الخط الأخضر في بيروت الشرقية. كانت مثل ليا، عاطفية جداً، إلا أنها كانت متبنية القضية المسيحية وتكره أي شيء يمت بصلة إلى الشيوعيين، أو الاشتراكيين، أو المسلمين، أو الفلسطينيين، أو السوريين. كانت مكرسة بشكل كامل للحملة المسيحية، وكانت تؤمن بأنها تقاتل من أجل سلامة لبنان ولإنقاذ البلد من قبائل الهمج التي قامت بغزو وسلب نصف وطنها.

كانت جوسلين في العشرينات من عمرها، صغيرة، وقاسية، وجميلة بشكل عنيف. كانت ترتدي سترة مرقطة ملتصقة بالجسد وبلون خضرة الدبابة فوق سروال عسكري خاكي اللون وجزمة عسكرية سوداء مرتفعة الكاحل. كانت هناك حربة مربوطة إلى سير مسدسها، واعتادت أن تحمل بندقية رشاشة من نوع M – 16 . كان شعرها قصيراً، أسود فاحم اللون ومتموج. جعلها جلدها الناعم الضارب إلى السمرة تبدو في صحة جيدة ومليئة بالحياة، تبدو جوسلين وكأنها خرجت من رواية لجيمس بوند. لكنها كانت حقيقية جداً، كما كانت وبطريقتها الخاصة، رقيقة جداً ولطيفة. تعكس عيناها الكبيرتان والسوداوان حزناً، حزناً عميقاً. حزناً أنتجته الحرب.

كانت جوسلين تتحمل مسؤولية قسم ميليشيا النساء الكتائبية. كرست معظم وقتها لتدريب وتمرين النساء الشابات على فن القتال. خلال وقت فراغها كانت تصيد القناصين المسلمين والفلسطينيين.

قابلت جوسلين لأول مرة خارج قيادة الكتائب قرب ساحة الشهداء، حيث ذهبت إلى هناك لتجديد أوراق اعتمادي الصحفية. كان يوماً نموذجياً، بقتال متفرق عبر الخط الأخضر حيث كان الطرفان المتصارعان يتبادلان النار من خلف المتاريس. في مثل هذه الأيام، عندما يكون القتال ” خفيفاً “، يكون القناصة في أقصى نشاطهم.

كان هناك مقهى عبر الشارع من مركز قيادة الكتائب، يقدم القهوة، والشاي العذب، وشطائر الجبنة. يحتوي المقهى على ثلاثَ أو أربع طاولات مغطاة بغطاء بلاستيكي رخيص الثمن. تعتلي صورة كبيرة ـ تعود إلى الثلاثينات لبيير الجميل، مؤسـس وقائد حزب الكتائب اليميني، فوق طاولة المحاسبة. صور الشيخ بيير، كما كان شائعاً تسميته، مرتدياً بنطالاً ابيض فضفاضاً وقميصاً ابيض، ويده اليمنى مرفوعة في تحية إلى الجماهير. وللغرابة، فإنها تشبه صور ماو القديمة. يتحلق المقاتلون الذين يكونون في إجازة من خدمتهم حول المقهى، يرتاحون فيما بين المعارك وهم يحتسون فناجين القهوة التركية ويدخنون السجائر الأمريكية.

كانت جوسلين تجلس على درجات السلم خارج المقهى متحدثة إلى رجل فرنسي فظ المظهر ذا شعر أحمر، يرتدي زي المظليين. ما أثار فضولي كان منظر الرجل الفرنسي الغريب في ملابس المعركة، ولكن، وبشكل خاص، تلك الذراعين الأمازونيتين الفظتين المميزتين. عرفت عن نفسي.

” فرانسوا ” بدا وكأنه جندي الحظ السعيد. تطوع، بسبب معارضته المتقدة للشيوعية، لمساعدة المسيحيين في قتالهم ضد التحالف المسلم ـ اليساري. قابل آرنود بوريل، وهو مصور صحفي فرنسي شاب، فرانسوا في كمبوديا قبل بضع سنوات. انضم فرانسوا إلى الجيش الكمبودي راضياً براتب خاص متواضع، وذلك فقط لإطاحة أمد قتاله ضد الشيوعيين ما أمكن.

دعاني فرانسوا وجوسلين لمرافقتهما بما أنهما يتحضران للسير باتجاه القطاع التجاري لاصطياد القناصة الفلسطينيين. كان فرانسوا عازماً على تواجد جوسلين وخمسة رجال مقاتلين آخرين حول فن طرد القناصة.

تم تثبيت وتحميل الأسلحة. انطلقنا في طابور مفرد، نسير عبر متاهة من الأبنية المهجورة، والسلالم، والشوارع المقفرة. وفرت الفجوات الكبيرة الناجمة عن النسف في جوانب المخازن الفارغة، وباتصالها بعضها مع بعض، طريقاً آمناً من نيران القناصين والأعداء. كان ذلك أكثر أمناً بكثير من السير في الشوارع المفتوحة.

وصلنا أخيراً إلى أرض مفتوحة. أعطى فرانسوا تعليماته حول كيفية عبور الشارع، بأسلوب حرب المدن، بينما كان يجمع مقاتليه حوله.

شرح لمجموعته قائلاً: ” من الأفضل دائماً أن تمضي مباشرة. تعلمون، أنه في معظم الوقت، لا يكون القناصة جاهزين دائماً مع بنادقهم ومناظيرهم التقريبية. إنهم يتعرضون للتعب، وتخفض فوهات بندقياتهم. ” وقام بتقليد القناص ببندقيته الخاصة.

” عندما يكتشفون حركة ما، فإنهم يرفعون بنادقهم ويهدّفون. القناص ليس جاهزاً دائماً لإطلاق النار فوراً. الشخص الثاني الذي يعبر يتيح للقناص أن يعدل من تهديفه. أما الشخص الثالث فإنه يتلقى الرصاصة عادة.

وهكذا، عندما تحتاج مجموعة كبيرة للتحرك عبر منطقة مفتوحة، فيجب التحرك بمجموعات أصغر، اثنتان أو ثلاث في كل مرة. ثم يجب الانتظار. دع القناص يشعر بالتعب. انتظروا حتى يخفض من فوهة بندقيته. ثم اعبروا. ” قاطع انفجار النار من بندقية رشاشة كلام فرانسوا.

” عندما تصبحون في منتصف المسافة، أخفضوا رؤوسكم بين أكتافكم وأنتم تركضون. تحركوا مثل السلحفاة. تحركوا بخط متعرج، وأفعلوا ما تستطيعون لتضيعوا هدف القناص. ”

كنت ممتناً لدرس فرانسوا عن البقاء في الحرب المدينة. طبقت هذه التعليمات بشكل موسوس طيلة فترة الحرب، وقد كانت نافعة لمرة واحدة على الأقل.

تبعت فرانسوا وجوسلين بينما كانا يتسلقان سقف بناء سينما إمبيار في الطرف الشرقي من ساحة الشهداء. كان لدينا من هناك موقعاً مسيطراً على مشهد الساحة. منذ مجرد شهر، كانت ساحة الشهداء تزدحم بالحافلات ذات الألوان المتعددة، وتحفل بصخب سيارات الأجرة التي تزعق بأبواقها أو بالمتسوقين الخارجين من الأسواق المجاورة، والبائعين الجوالين يعرضون سلعهم. كانت الساحة قلب بيروت ومركزها تماماً. كافة الطرق تقود إلى ساحة الشهداء. وكان هناك كذلك مركز الشرطة الرئيسي لبيروت. وكذلك كانت هناك مباني المدينة التي تحمل أضواء نيون زرقاء تشير إلى أسماء مغرية ومثيرة مثل: ” ماريكا ” و ” بيانكا “. أما الآن فإن الساحة أصبحت خالية تماماً. الحطام يتكوم بغير انتظام في الساحة. قطعت الصواريخ وقنابل الهاون أشجار النخيل المزروعة حول التمثال الضخم وبدت الآن كأعواد الثقاب المكسورة. حتى التمثال المنتصب رمزاً لشهداء لبنان لم يسلم من الأذى. لقد طار الساعد الذي يحمل العلم، والشبيه بتمثال الحرية في نيويورك، مخلفاً فتحة فارغة مقيتة.

كانت الميليشيات المسلحة على بعد مجرد كتلة بناء واحدة، يطلقون النار من الطوابق العليا لبناء مهجور كان مخصصاً للمكاتب التجارية. أزعج المسلمون وحلفاؤهم الفلسطينيون الكتائب لعدة أيام من ذلك الموقع. قرر فرانسوا أن يلقنهم درساً.

زحفنا مسافة العشرين الياردة الأخيرة لنأخذ موقعاً وراء متراس اسمنتي يقل ارتفاعه عن قدم واحد. كانت الرصاصات تتطاير فوق رؤوسنا تماماً. وقف فجأة فرانسوا ومعه جوسلين وبضع رجال وأخذوا يطلقون النار على المسلمين من كل الأسلحة المتوفرة معهم. كانت الجلبة التي أحدثتها الأسلحة تبعث على الصمم. ضربت الأرض الخراطيش الفارغة الساخنة برنين معدني.

بدا ظاهراً بعد فترة أن المسلمين قد تخندقوا في بناء المكاتب عبر الشارع حيث ليس من السهل تخويفهم. تستطيع أبنية بيروت الاسمنتية المسلحة تحمل الكثير من العقاب. لقد بُنيت لتقاوم ملوحة الرياح التي تهب من البحر المتوسط القريب. أصاب القلق المقاتلين الشباب من احتمال استخدام المسلمين المدفعية ضد مواقعهم.

أكد فرانسوا قائلاً: ” لا تقلقوا. لديهم قادفات آر. بي. جي فقط ولا يستطيعون ضربنا بها. نحن في موقع بعدة طوابق مما هم فيه. ينبعث من عادم الآر. بي . جي لهب يمكن أن يحرقهم حتى الهشاشة. ”

” يمكن لهم قصفنا بمدافع الهاون فقط وهم لا يملكون أياً منها. وسوف يأخذ ترتيب ذلك منهم حوالي الثلاثين دقيقة على الأقل. سنبقى هنا لعشر دقائق على الأكثر. ولدينا عشرون دقيقة للمغادرة. ” هذا ما صاح به فرانسوا في ضجيج النار الموجهة إلينا.

تكاثف إطلاق النار، وأراد كل واحد ما عدا فرانسوا وجوسلين الخروج من جحيم هذا السطح. بعد بضع دقائق أعطى فرانسوا أوامره بالانسحاب، قفزنا إلى أسفل السلالم بوقت قصير.

هزت فجأة انفجارات عديدة البناء بأكمله. أحضر المسلمون مدافع الهاون وبدأوا بقصف البناء. لو مضت ثلاثون ثانية أخرى لكان الوقت قد فات تماماً.

(يتبع)

الحلقة الحادية عشرة: الفصل السادس (الأحداث) 6/5

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على الفيسبوك

لزيارة موقع بوابة الشرق الاوسط الجديدة على التويتر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى