من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء صحافي في الشرق الأوسط (الحلقة الثانية عشرة)
من أيلول الأسود إلى عاصفة الصحراء
صحافي في الشرق الأوسط

تأليف: كلود صالحاني ترجمة: نضال بديع بغدادي
الحلقة الثانية عشرة
الفصل السادس
(6/6)
كان مكان إحتجازنا الجديد يقع داخل الشوارع الضيقة لمنطقة صبرا. كان المكان، كالعديد من المكاتب الفلسطينية يقع أيضاً في بناء سكني. استمر التحقيق. كانوا يريدون معرفة كم مضى على وجودي في بيروت. كم مضى على وجودي في عنواني الحالي؟ ما هي المدارس التي التحقت بها؟ من كان أصدقائي؟ تعرض باتريك الذي احتجز في غرفة منفصلة، إلى نفس الأسئلة.
كنا قد اتفقنا للتو، كنوع من إجراء احترازي، أنه في حال تعرضنا لمثل هذا الموقف، يجب علينا ألا نعترف أننا كنا في بيروت الشرقية. هذا بحد ذاته يمكن أن يغضب المسلمين. اتفقنا. بدلاً من ذلك، على القول أننا عبرنا لزيارة صديق في مشفى ديو، الذي يقع على بعد مئات من الياردات فقط عبر خط التقسيم.
” من هو الذي ذهبت لرؤيته في فندق ديو؟ ”
لم نكن قد خططنا للإجابة على مثل هذا التساؤل. ذكرت من دون تفكير أول اسم خطر ببالي، وهو مراسل لوكالة فرانس برس كنا أنا وباتريك قد ألتقيناه ذلك الصباح في الكرنتينا.
أجبت: ” ذهبنا لرؤية إكسافير بارون. سمعنا بأنه كان قد جرح وأردنا رؤيته. ”
” هل رأيته؟ ”
أجبت: ” كلا “.
دون معرفة مني، ولحسن حظنا المدهش، أجاب باتريك نفس الإجابات، بما في ذلك اسم إكسافير. كان الاختلاف الوحيد هو أن باتريك قال أنه رأى إكسافير بارون. واحد منا يكذب، وأرادوا معرفة من منا كان الكاذب ولماذا.
ومن وقت لآخر، كان أحد المحققين ينفجر في الغرفة ممسكاً دفتر عناويني ويعلن بابتسامة النصر: ” آهه، ماذا تعني حروف ABC . إنها رمز. وحروف CBS . هي رمز أيضاً. ”
شرحت بأدب أن تلك ما هي ببساطة سوى أسماء لشبكات التلفزيون الأمريكية. لم يكن هناك أي شيء سري حولها، وإذا ما حاولوا رؤية ما يوجد تحت الحرف P ، فإنهم سوف يجدون أكثر من دزينة أرقام تخص منظمة التحرير الفلسطينية PLO والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين PFLP ، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين DFLP ، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة PFLP – GC ، … الخ. هذا لا يعني أنني كنت جاسوساً فلسطينياً. شعر رجل البوليس السري بالإحباط ومضى خارجاً وهو يجر رجليه خلفه.
تُركتُ في غرفة مكتب صغيرة مع حارس واحد، بينما كان المحققون يفتشون عن مفتاح لحل لغز يعلمه الله وحده فقط إذا كنت بريئاً أم مذنباً. بدا هذا الرجل أنه أفضل من الآخرين. بدا أكثر ثقافة وأكثر لطفاً. كان حسن الهندام ومرتباً بشكل جيد. كان مكتب عمل إلى حد بعيد، يحتوي على مكتب خشبي كبير، وهاتف، وكرسيين، وأريكة حيث طلب مني الجلوس بينما جلس حارسي الجديد خلف المقعد، بما يشبه كثيراً اجتماع عمل.
أخذت أثرثر مع حارسي الجديد. لم تكن لدي حتى تلك اللحظة، أدنى فكرة عن الجهة التي كانت تحتجزني. عرفت من لهجتهم أنهم كانوا فلسطينيين، لكنهم لم يشاؤوا الإفصاح عن أي زمرة من دزينة الزمر الفلسطينية التي ينتمون إليها. افترضت أنه لابد أنهم ينتمون إلى إحدى أكثر المنظمات راديكالية بما أنهم يرفضون الاتصال بالمكتب الصحفي لمنظمة التحرير الفلسطينية.
أشغل حارسي نفسه بكتابة رسالة أو ما يشبه التقرير.
قلت له بصوت جعلته ألطف ما يمكن: ” أعذرني أيها السيد. لماذا تصرون على إزعاج أنفسكم وإزعاجي. لديك هاتف هنا على مكتبك. لماذا لا تتصل بالمكتب الصحفي لمنظمة التحرير الفلسطينية أو بأبو العباس في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة؟ ” بما أنني كنت قد أنهيت لتوي مادتي الطويلة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة و” أكاديمية الإرهاب “، فقد تعرفت على أبو العباس. أخبرني، بأسلوب شرقي أن أتصل به ” إذا ما كان هناك أي شيء أستطيع أن أفعله من أجلك “.
وافق الحارس أخيراً، بعد ممانعة في البداية. تناول سماعة الهاتف وطلب خطاً خارجياً من عامل مقسم البناء. لم يكن هناك أحد في تلك اللحظة. سوف يقرعون له الجرس لاحقاً. بدت كل دقيقة عذاب تمر وكأنها ساعة كاملة. رن جرس الهاتف أخيراً. تناول الحارس السماعة وطلب هاتف مكتب أبو العباس. كان الخط مشغولاً.
أغلق الهاتف. انتظر خمس دقائق أخرى للحصول على خط خارجي. أعاد طلب الرقم. استمر هذا العذاب قرابة العشرين دقيقة قبل أن يتحقق الاتصال.
” ألو. هنا الملازم أول أحمد من فتح، هل بإمكاني التحدث مع أبو العباس. ” عرفت على الأقل أنني محتجز من قبل فتح وليس من قبل مجموعة صغيرة متعصبة بجنون. وضع يده على سماعة الهاتف وأعلمني: ” أبو العباس ليس موجوداً هناك “. حاولت تذكر أي من أسماء الأشخاص الآخرين الذين تعاملت معهم في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة بينما كنت أجري المقابلات مع أبو العباس.
توسلت إليه قائلاً: ” اطلب أبو فراس “.
” ليس موجوداً هناك “.
كنت على وشك الانفجار غضباً. لابد أن الشخص الذي على الطرف الآخر من الخط قد سأل الملازم عن سبب كل ذلك.
” لدينا هنا أحد الأشخاص الذي يدعي معرفة أبو العباس. لقد التقطه شبابنا عند متراس “.
لابد أن الله كان بجانبي في تلك الليلة، فقد تبين أن الرجل الذي يتحدث إليه الملازم كان المساعد الإعلامي لأبي العباس، وهو الرجل الذي تعاملت معه بينما كنت أحاول ترتيب القصص المختلفة حول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة.
أخبر المساعد الإعلامي حارسي: ” نعم، أعرف كلود. أنه شخص جيد. لماذا اعتقلتموه؟ ”
بعد تبادل قصير للمعلومات، أغلق الملازم الخط وأخبرني ألا أقلق، إذ أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة سوف ترسل سيارة لاصطحابي.
قال لي: ” ليست هناك من مشكلة، فخلال بضع دقائق، سوف تكون في طريقك إلى المنزل. ”
حالما انتهى من إعلامي بالأخبار الجيدة، فتح الباب المؤدي إلى الغرفة. دخل الشابان السيئان اللذان كانا يستجوبانني، ولحق بهما مرافقين مسلحين بديا في هيئة مهددة.
أمر قائلاً: ” يلا، فلنذهب. ”
اعتقدت حقاً أن تلك كانت النهاية. كانوا بالتأكيد عازمين على إعدامي الآن. نظرت إلى الملازم، متلمساً بصمت مساعدته. كان الصديق الوحيد لدي في العالم الآن.
سأل الملازم: ” إلى أين تأخذونه؟ ”
نبح رئيس المحققين: ” سنأخذه بعيداً. ”
” أخبرني إلى أين لأنني اتصلت لتوي برفاق أبو العباس وسوف يرسلون سيارة ليأخذونه. ” ظننت أن المحقق كان على وشك أن يعاني من أزمة قلبية. جأر قائلاً: ” ماذا فعلت؟ أيها الأحمق! طلبت منك أن لا تتصل بأحد. كل هؤلاء الناس جواسيس. ما الفرق أن يعرف ياسر عرفات بذاته؟ إنهم يظلون جواسيساً.
” قبل الملازم الإساءة الشفهية، واعتدل في جلسته على الكرسي ونظر مباشرة في عيني الرجل بازدراء. ” حسن، ومع ذلك يجب عليك أن تعلمني إلى أين ستأخذه. ”
إلى مكتب أبو إياد. ” كان أبو إياد الرجل الثاني بعد عرفات. كان ذلك مدعاة للطمأنينة إلى حد ما. إذ طالما أنهم يأخذوننا لرؤية ضباط أعلى مرتبة، فإن حظوظنا بالبقاء كانت تتحسن طيلة الوقت.
ذهبت إلى مكتب أبو إياد العديد من المرات خلال السنوات الماضية لحضور مؤتمرات صحفية أو بينما كنت أحاول ترتيب مقابلات صحفية مع ياسر عرفات، وكنت أعرف المكان جيداً.
أجلسوني في غرفة فارعة وحدي. كان أحدهم، يدخل كل بضع دقائق، ليرى ” الجاسوس ” الذي ألقوا القبض عليه، كحالة استثنائية تلفت الانتباه. رجال، ونساء، وشباب مسلمون كانوا يلقون نظرة علي ببساطة ويهزون رؤوسهم. آخرين كانوا يبدأون حديثاً.
” أنت تعمل مع الكتائب، ها. هذا أمر سيء جداً. الكتائب ليسوا جيدين. ” ودون انتظار الجواب، يغادرون الغرفة.
كانت قد انقضت تسع ساعات حتى ذلك الحين منذ اختطافنا. كنت متأكداً أن دومنييك بوديس وأصدقائنا الآخرين قد لاحظوا اختفاءنا وسوف يبحثون عنا بشكل فعال. وفي الحقيقة هذا ما جرى بالضبط. أُجريت مكالمات هاتفية مع كل منظمة فلسطينية ويسارية في بيروت، وقد استطاعوا أخيراً تعقبنا.
جُمعنا أنا وباتريك لأول مرة بعضنا مع لبعض ودخلنا إلى مكتب كبير ومريح. قدم رجل، يجلس خلف مكتب ضخم، نفسه بأسم نزار، قائلاً أنه كان مساعد أبي إياد. قدم لنا فناجين القهوة وسجائر واعتذر عن السلوك القاسي لرجاله.
” هناك حرب تدور، كما تعلمون، ويشطح شبابنا أحياناً في تصرفاتهم. اعذروني أرجوكم. سوف يُسمح لكم بالمغادرة حالاً. نحن بانتظار إحضار حاجياتكم الشخصية. ”
قلنا له: ” حسناً. ليست هناك من مشكلة. يمكنكم الاحتفاظ بأغراضنا الشخصية. أنها ليست بذات أهمية. ربما بإمكاننا الذهاب حالاً؟ ”
أصر نزار قائلاً: ” لا، لا. سوف نعيد كل شيء إليكم. الرجاء أن تنتظروا، لا ضرورة للعجلة، لم أنتم مستعجلون؟ ” كان من الصعب أن نشرح سبب رغبتنا بالمغادرة بهذه السرعة.
استغرق الأمر ساعة قبل أن تعاد لنا كل ملابسنا وأوراقنا، وأخيراً سمح لنا بالمغادرة. خلال ذلك الوقت، أحضر نزار آلة تصوير من مكتبه وطلب في إمكانية أن أعلمه كيفية استخدامها.
كنت ما أزال كتلة من التوتر وكنت أرتجف كورقة من محنة يوم طويل. قلت له ” بالتأكيد ” وتناولت آلة التصوير بيدي المرتجفتين، أوجه ذلك الرجل الذي كان يمكن له قبل مجرد ساعة واحدة أن يأمر بموتي. ” أهم شيء، قبل أن تلتقط صورة، هو أن تكون يداك ثابتتان … ”
وصلت لورانس إلى بيروت قبل بضعة أشهر من اندلاع الحرب الأهلية، عندما كانت العاصمة اللبنانية ما زالت جذابة للعديد من الغربيين. أتت لتعمل لصالح وكالة تسويق كرسامة مصممة عندما كانت بيروت ما زالت مركز التجارة في الشرق الأوسط. كـانـت وكـالات الـدعـايـة تـقوم بـعمـل نـاشط تـزود إمـارات الـخـلـيج العربي الغنية بالنفط.
أجبر القتال الذي غمر مركز المدينة وكالتها على أن تغلق أبوابها وأن تتركها غريبة في بيروت. كانت لورانس تأمل بوقف إطلاق النار يسمح لمطار بيروت أن يفتح ثانية، مما يمكنها العودة إلى وطنها الأم فرنسا. كان ذلك عندما التقينا. تعرفنا بعضنا على بعض بواسطة صديق مشترك ووقعنا في الحب على الفور.
يخلق العيش مع العنف بشكل يومي رغبة عميقة وملحة إلى العاطفة. هذا ما يطور الحاجة إلى الحب. إن الحرب مثيرة للشهوة الجنسية إلى حد ما. يستحق خداع الموت وتجريب القضاء والقدر أن يحتفى بهما. وما أفضل طريقة للاحتفاء إلا من خلال العاطفة وحب إنسان قريب؟ قادتني لورانس إلى هدوء كنت بحاجة ماسة إليه وأنا أراقب بيروت وهي تتدمر. تقاسمنا كراهيتنا للحرب. لم تستطع لورانس أن تفهم الحرب، أو أي حرب أخرى لنفس السبب. لم تؤمن بأن أي شخص يمتلك الحق في أذية شخص آخر.
خلال أيام قليلة، أخذت تشاركني حياتي. كان للحرب ذلك التأثير. لقد سرّعت من الأحداث بحيث لم يعد المرء يدري فيما إذا كان هناك يوم آخر لكي يحيا. الزمن يُسرق. الحياة هشة.
حاولنا مع كلبي الألماني ستون، أن نعيش حياة عادية بأقصى ما يمكن أن تسمح به الحرب. خلال النهار كان هناك عملي والحرب. وفي الليل كانت هناك حفلات العشاء، والأصدقاء، وبار الكومودور، حيث كنا نقابل المراسلين الصحفيين الآخرين لتناول الشراب وتجاذب أطراف الأحاديث. كان أولئك الذين يعملون لصالح وكالات أنباء عنيفة يقدمون حلقات من الشراب. كل ذلك يسجل على حساب فواتير ” الغسيل “. فاخرت بيروت بأنظف سلك صحفي في العالم.
أخذنا أنا ولورانس إجازة في فرنسا خلال أحد المرات العديدة التي جرى فيها وقف قصير الأمد لإطلاق النار. بينما كنا نتجول على طول الشوارع الباريسية وقفنا نحدق في مجموعة من رجال الشرطة الفرنسيين. بدا القانون والنظام شيئاً ترفاً. استمتعنا بأسبوع من الحياة العادية: التجول الهادئ في مدينة الضياء، وتناول الغذاء في حانات صغيرة، والذهاب إلى السينما أو تناول العشاء مع الأصدقاء. لكن القتال عاد واندلع في بيروت، وكنت مجبراً على اختصار إجازتي. أرادت لورانس زيارة والديها في النورماندي ووعدت أن تتبعني خلال أسبوع. أجبر القتال مرة أخرى مطار بيروت على الإغلاق وذلك بعد بضعة ايام من عودتي، ولم يكن بإمكانها أن تنضم إلي. كانت تلك ربما أصعب الأيام بالنسبة لي وأنا وحيد في شقتي المظلمة في بيروت، كانت المدينة تعيش من دون كهرباء منذ عدة أشهر. كنت استمع، بينما أنا جالس في شقتي على ضوء شمعة وحيدة، إلى الإذاعة البريطانية (BBC) حبلي السري مع العالم الخارجي ، وقذائف المدفعية تتساقط على المدينة المظلمة، ساقطة في الجوار، تُقعقع منها الأبواب والنوافذ.
غالباً ما نشد جيراني ملجأ في قبو البناء، يحتشدون حول أجهزة المذياع الصغيرة، منتظرين أخباراً عن وقف آخر لإطلاق النار وكأنه مجيء المسيح. كان ذلك أملهم الوحيد. بقيت في شقتي، رافضاً مشاركتهم غمهّم. كنت أشعل في بعض الليالي عشرات الشموع. كانت تعطي شقتي منظراً يشبه حرماً مقدساً، ويضيف لي الضوء الزائد بعضاً من البهجة. ضربت قذائف المدفعية بنائي بشكل عنيف في ثلاثة مناسبات منفصلة، مخلفة فتحات كبيرة سبق وأن كانت شققاً. ولحسن الحظ كان نزلاء هذه الشقق بعيدين حينها. تمنيت في كل ليلة لو أن باستطاعتي الهرب والعودة إلى باريس ولورانس. كنت أحلم بأنني أتجول معها على ضفاف نهر السين، مستمتعين بالجلوس في مقاهي الأرصفة الصغيرة، نزور المتاحف، أو نمشي ببساطة في شوارع لا توجد فيها حـواجـز أو نـقاـط تـفتـيش. لـكن شـيـئـاً مـا جـعـلـني استمر، وأن أذهب في صباح اليوم التالي لتغطية الحرب الثانية.
قطع أفكاري، في واحدة من تلك الليالي اللا متناهية السأم، قرع مفاجئ على بابي. فتحته لأجد لورانس مع ابتسامة عريضة على وجهها. طارت إلى دمشق وتحملت بشجاعة المرور بعشرات من الحواجز السورية والفلسطينية لتعود إلى بيروت بالسيارة. كانت تلك من أسعد لحظات الحرب سعادة. في وقت متأخر من تلك الليلة، وبينما كنا نحتسي الخمر على ضوء الشموع، طلبت منها الزواج.
كانت هناك بالتأكيد قصة يمكن الحصول عليها وصور هامة يمكن أن توجد على الخط الأخضر، وهو الخط الذي يفصل شرق بيروت عن غربها. يمتد الخط من ميناء بيروت باتجاه الشرق عبر مركز المدينة خلال ساحة الشهداء، وشارع دمشق، والمتحف، والشياح، وعين الرمانة، وأخيراً نحو الضواحي الجنوبية وفي التلال المشرفة على المطار تركت على طول الخط الأخضر، الشوارع العريضة مهجورة وغير مطروقة عبر السنوات حيث غطتها النباتات والأعشاب البرية، والتي بلغ طولها بضعة أقدام في بعض المناطق. أصبحت المخازن المحروقة، التي نُهبت بضائعها أو دُمرت في الأيام الأولى للحرب الأهلية، والتي اصطفت على طول الشوارع التي كانت صاخبة، مهجورة الآن للجرذان. تُركت أبنية المكاتب التجارية فارغة. كان مشهداً لمعركة فاصلة كبرى.
حتى في أكثر الأيام هدوءاً، كان هناك دائماً شيء ما يحدث على أطراف الخط الأخضر. تدفق لا نهاية له من اللاجئين الفارين من الشرق أو من الغرب، حسب انتمائهم الديني، يندفع بالسيارات أو مشياً على الأقدام عبر الحدود. كانت تُشاهد في بعض الأحيان، نساء مع مجموعة من الأطفال في سيارة مقطورة يحملن حقائب ثقيلة ويتوسلن إلى رجال الميليشيا ليسمحوا لهن بعبور نقاط التفتيش.
يطلب رجال الميليشيا مالاً في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يرافقون بحمية العائلات عبر نقاط التفتيش. اندفع نار قنص حولهم. قام رجل الميليشيا بإطلاق النار من بندقيته الآلية AK – 47 مؤمناً تغطية نارية حتى أصبحت المرأة والطفل خارج نطاق القناص.
قمت في أحد الأيام برحلة سريعة بسيارتي الصغيرة من نوع ( MINI COOPER ) مع ساكو بيكاريان، مصور جريدة النهار، وتوجهنا نحو المتحف، إحدى نقاط العبور القليلة بين قسمي المدينة ونقطة العبور الوحيدة المفتوحة ذلك اليوم. لسبـب مـا غيـر مـعـروف، لـم تـكن نـقـاط الـعبـور الأربـعة أو الخمسة ” تفتح ” في نفس الوقت.
كان قانوناً غير مكتوب بين المصورين الصحفيين ألا تغامر وحيداً بالتوجه نحو ” الجبهة ” خوفاً من أي شيء يمكن أن يحدث. أوقفت السيارة على بعد عدة أبنية قليلة من المحكمة العسكرية، عبر حلبة سباق بيروت. كانت هذه المنطقة موجودة لعدة سنوات خلت منذ أن كانت الخيل تركض هناك. تبعثرت على خط السباق أشجار النخيل الساقطة ومركز النادي قد تم تدميره. تقدمنا أنا وساكو مشياً على الأقدام، مقتربين من الجدران ومنخفضين باتجاه الأرض. ما كان شارعاً كبيراً يمتد من مشفى البربير إلى المتحف أصبح الآن ساحة معركة. تحولت الجادة السادسة إلى مجرد ممر ضيق مفرد. كانت السيارات التي تحاول العبور تجبر على التعرج في مسيرها عبر متاهة من أكياس الرمل، والحواجز الاسمنتية، وأشراك من البرك المعدنية. بدت الأبنية، مثل بقية خط جبهة بيروت، وكأنها قد أصيبت بوباء الجذام، بواجهاتها وشرفاتها المتآكلة منذ أعوام من الحت.
شققنا طريقنا أنا وساكو إلى الخط الأخير من الحواجز، وهو عبارة عن حائط وضيع من أكياس الرمل يبلغ طوله خمسة أقدام، كان ذلك خط الدفاع الأول عن بيروت الغربية.
كان يوماً هادئاً، وكان يؤنس الموقع أربعة شبان مقاتلين، لا يتجاوزون العشرين من أعمارهم. إنهم ينتمون إلى فتح. كان المقاتلون الأكبر سناً يجلسون في الخلف، ليستريحوا من صدمات الليلة السابقة ويحضرون أنفسهم لقتال الليل القادم. جلس الفتية وظهورهم إلى الحاجز يقبضون على بنادقهم الرشاشة التي تكبرهم حجماً. شربنا أنا وساكو قهوة تركية ودخنّا السجائر معهم. كانت هناك حركة خفيفة على تقاطع الطرق. انتقل القتال إلى المرتفعات جديدة خلال الأسابيع الماضية، ولولا الضرورة القصوى لما كان بضعة سائقين يتجرأون على العبور. كان أولئك الذين يعبرون عادة من الغرب إلى الشرق. لا أحد يأتي في الاتجاه المعاكس.
مرت سيارة أجرة وتوقفت بالقرب منا. حدقت باتجاهنا سيدة أنيقة في أواخر العشرينات من عمرها، تتوجه عائدة إلى بيروت الشرقية، من المقعد الخلفي. أرادت هي والسائق معرفة فيما إذا كان الوضع آمناً ليستمروا برحلتهما عبر الأرض القاحلة الخالية من البشر. أشار لهما بالمضي فتية فتح دون اكتراث.
مضى الاثنان في طريقهما بضع عشرات من الياردات عندما اندلع الرصاص، وتبع ذلك مباشرة صوت تحطم زجاج وصراخ المرأة.
وثب المقاتلون المراهقون على أقدامهم وصوبوا رشاشاتهم باتجاه بيروت الشرقية. نافسناهم أنا وساكو بآلات التصوير. أصاب قناصون مسيحيون سيارة الأجرة التي مرت بنا منذ لحظات فقط.
صرخ الرجل المسرع باتجاهنا: ” لقد جرحت، لقد جرحت “، وعكست عيناه المتسعتان خوفه. تمكنا من مخبئنا الأمن خلف أكياس الرمل من رؤيتها مستلقية على الرصيف مقابل سيارة الأجرة. كان زجاج مقدمة السيارة محطماً، والزجاج متناثر فوق الشارع, استمر القناص بإطلاق النار حول السيارة، وكأنه يلهو مع المرأة.
أصيب الأعضاء الجدد في فتح بالهلع، لا يدرون ماذا بإمكانهم أن يفعلوا بالضبط. كانوا خائفين جداً من أن يغامروا بترك مكانهم الأمن خلف السواتر الترابية لينقذوا المرأة الغريبة. ثقبت حفرة متقنة وجنتها، وتدفق الدم نازلاً من وجهها. طلبنا من المقاتلين تغطية نارية وزحفنا أنا وساكو فوق أكياس الرمل وتوجهنا نحوها. سحبناها عائدين إلى السواتر الترابية بينما استمر أزيز الرصاص فوق رؤوسنا.
حملناها فوق المتراس، وانزلقنا كالأفاعي فوقه. لم يكن لدى المقاتلين سيارة لنقل المرأة الجريحة إلى المشفى. جلبت سيارتي الصغيرة نحو المتراس واحتفظت بها في جانب الطريق لأتجنب التعرض لنار القناص.
قفز ساكو إلى المقعد الخلفي ووضعنا جريحتنا في المقدمة. لم تكن سيارتي الصغيرة ببابيها الوحيدين وحجمها الصغير مهيئة تماماً لأن تلعب دور سيارة الإسعاف. حالما تم تأمين المرأة في المقعد الأمامي، انطلقت مسرعاً باتجاه مشفى البربير القريب. رغم الصدمة الظاهرة والألم الفظيع فقد ظلت المرأة واعية. أمسكت وجنتها بيدها بينما كان الدم ينزل من بين أصابعها.
لم أكد أقطع مسافة بنائين بصعوبة حتى انفجرت قنبلة مدفع هاون محطمة زجاج سيارتي الأمامي، وجعلت سيارة أخرى تصدم سيارتي بعنف. أصبت في وجهي بقطع الزجاج الحادة المتناثرة. فقدت السيطرة على السيارة وقفزت فوق رصيف المشاة واصطدمت بكتلة جدارية. سال الدم من وجهي وشعرت بألم شديد حول شفتي. امتدت فجأة أيادٍ تسحبني من الشباك المحطم. وُضعتُ في سيارة أجرة عابرة ونقلت على وجه السرعة إلى مشفى الجامعة الأمريكية فاقداً سنين من أسناني الأمامية.
قام فريق طبي أرهقه العمل في المشفى بترقيع وجهي بأقصى ما يستطيعون، وأرسلوني إلى بيتي كنت بحاجة إلى معالجة سنية فورية. كان أحد أسناني الأمامية ما زال معلقاً بخيط، وكان مجرد التنفس يبعث موجات من الألم الشديد الذي ينطلق عبر جسدي بأكمله. كنت ابتلع الماء بصعوبة شديدة. ذهبت لرؤية طبيب أسناني في شارع الحمراء، وكالعادة كانت بيروت من دون كهرباء. كان الطبيب يحتفظ ببعض المثاقب القديمة التي تعود لوالده، والمزودة بدواسة قدمية، وذلك في غرفة منفصلة، كمتحف لطب الأسنان. كان مجبراً، لعدم وجود كهرباء لتشغيل مثاقبه الحديثة، على استخدام الجهاز المهجور. كان الأمر بطيئاً ومؤلماً إلى أبعد حد. طلب مني الطبيب. لسبب غياب ممرضته، أن أمسك بمشعل وأوجهه نحو فمي ليتمكن من الرؤية. سحب الطبيب الجزء المتبقي من السن، وقام بتجميل مكانه قدر استطاعته، واقترح أن أخضع لعناية مناسبة في أسرع وقت ممكن في أوروبا.
كان مطار بيروت ما زال مغلقاً، والعبور إلى بيروت الشرقية مراوغاً في أفضل الأحيان، حسب ما شاهدته. حجزنا أنا ولورانس رحلة على متن سفينة شحن غير نظامية من ميناء لبنان الجنوبي في صيدا إلى لارنكا في قبرص. طلب قبطان السفينة القديمة أجراً عالياً جداً بلغ 350 دولاراً أمريكياً عن كل شخص لرحلة باتجاه واحد. كانت أجور العودة جواً إلى قبرص عادة أفل من 100 دولار أمريكي.
كانت مغادرة صيدا تجربة إخفاق جريء بحد ذاتها. قام الفلسطينيون الذين يسيطرون على الميناء بتفحص وإعادة تفحص هوية كل شخص. كانت منظمة التحرير الفلسطينية تسحب كل الرجال الفلسطينيين في عمر القتال وتريد التأكد من أن لا أحد قد تسرب من شبكتها. في أثناء ذلك كان السوريون الذين دخلوا لبنان في تلك الفترة إلى جانب الميليشيات المسيحية، يقصفون صيدا والفلسطينيين.
جلسنا أنا ولورانس هادئين فوق حقائبنا في ميناء صيدا بينما كانت الشرطة العسكرية الفلسطينية، والتي تعرف باسم ( فرقة الصراع الفلسطينية المسلحة )، تؤخر مغادرتنا، وتدخل في جدل مع الفلسطينيين الذين يبلغون العشرينات من أعمارهم ويحاولون الفرار من البلد ومن السحب للخدمة العسكرية. تم أخذ الشبان بعيداً بينما كانت أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم يصرخن ويبكين، ويتوسلن إلى أعضاء الشرطة العسكرية بأن يدعونهم كي يغادروا كان جهداً غير ذي جدوى، كانت هناك حاجة للرجال كي يقاتلوا.
انفجرت القذائف في الماء على بعد ياردات من مكاننا مخلفة رذاذاً عالياً، مرسلة ماء حاراً يضرب الهواء. بكى الأطفال وصرخت النسوة اللبنانيات في وجه الفلسطينيين، الذين صرخوا بدورهم بصوت أعلى بينما كنت أبتلع حبة فاليوم. اقترح علي طبيبي تناول بعض من حبات الفاليوم، المتوفرة على قارعة الرصيف في لبنان، للتلطيف من الألم ومن عصبيتي حتى أغادر بيروت. كان صوت القذائف السورية يقترب أكثر فأكثر طيلة الوقت. ابتلعت حبة فاليوم أخرى. سمح لنا بعد ثلاث ساعات، بالمغادرة أخيراً. تناولت مع ذلك حبة فاليوم أخرى.
كانت سفينتا ترسو على بعد بضعة مئات من الياردات من الميناء. كان علينا، من أجل الوصول إلى السفينة، ركوب زورق تجديف صغير مأهول بصياد من صيدا عاطل عن العمل. حالما تم سحبنا من الشاطئ، توقف الصياد عن التجديف. كان يريد الحصول على أجرته سلفاً. لم يكن المبلغ الباهظ البالغ 350 دولاراً يتضمن النقل إلى سفينة الشحن.
سقطت قذيفتان أخريان في مياه المتوسط وغسل الرذاذ المائي المنبعث من انفجارها الزورق الصغير. وافقنا جميعاً على إعطاء الرجل عشرة دولارات إضافية عن كل شخص. تناولت حبة فاليوم أخرى.
وصلنا أخيراً إلى سفينة الشحن. انهارت امرأة لبنانية من الإرهاق والخوف حالما صعدت إلى السفينة. بكى طفلاها وظلا يناديانها ” ماما، ماما … “.
حالما بدأت السفينة بالخروج من صيدا، أخذت تقترب القذائف السورية طيلة الوقت. شعرت وكأنهم يحاولون ضرب السفينة، كما هو ربما ما كان هدفهم. وفي الوقت الذي وصلنا فيه إلى المياه الدولية، كان السوريون قد دخلوا صيدا، مكملين أخيراً استكمال دائرتهم حول بيروت. كانت سفينتنا هي السفينة الأخيرة التي تغادر هذا الميناء الجنوبي.
حل الغسق ببطء فوق المتوسط. بدت صيدا من هنا هادئة، وحتى جميلة. كانت قلعة الصليبيين القديمة التي تحرس الجبهة المائية ترخي ظلها فوق الأفق. خفتت أصوات المدفعية بينما كانت السفينة تشق طريقها باتجاه قبرص. بكت سيدة لبنانية، حسنة المظهر وترتدي جواهر نفيسة، بصمت بينما كان الشاطئ اللبناني يغيب عن النظر. ضمت طفليها الصغيرين وهزت رأسها وسقطت الدموع بحسرة من عينيها.
أصبحنا كلنا الآن خارج الميناء، وقد اختفى خط الشاطئ اللبناني عن النظر. لاحظت، وأنا جالس على مقعد خشبي طويل عند مؤخرة السفينة، عصفوراً صغيراً يرفرف بيأس بجناحيه وهو يحاول اللحاق بالمركب قبل أن تخونه قواه. شجعت، بيني وبين نفسي، العصفور الصغير على الاستمرار في محاولته. كان هو أيضاً يحاول الهرب من هذا البلد الذي تمزقه الحرب. كان العصفور الآن على بعد عشرات من الياردات من المركب. كان يقاتل من أجل أن يحيا. عرف العصفور الصغير أنه إذا ما سقط في البحر فإنه سوف يغرق. فعلها الطائر أخيراً وانهار عند قدمي خائر القوى من طيرانه لمسافة طويلة.
التقطت الطائر بلطف. لاحظت أنه كان يعاني من جرح بسيط في رجله. شعرت بأنني مقيد إلى هذا المخلوق الصغير جداً. كان مجروحاً أيضاً. كان يهرب أيضاً من جنون الحرب اللبنانية. سقيته بعض الماء وأطعمته لب الخبز من شطيرتي ابتلع الطائر الجائع كل كسرة بنشاط كبير. وضعت الطائر فوق فروة قلادة شعار سترتي حيث قضى الليل بأكمله هادئاً.
استيقظت في الصباح الباكر من اليوم التالي لأجد الطائر ما زال مستريحاً فوق قلادة سترتي بينما كانت السفينة على وشك دخول ميناء لارنكا. لقد وصلنا إلى قبرص.
اقتضى الأمر شهرين طويلين من الزيارات المؤلمة واليومية إلى طبيب الأسنان قبل أن أعوض السنين الأماميين المكسورين في فمي. بعد ذلك مباشرة تزوجنا أنا ولورانس. جرى احتفال الزفاف في قرية صغيرة في منطقة النورماندي قبل بضعة أسابيع من عيد الميلاد. كان من أبسط الاحتفالات، حيث جرى في داخل صف دراسي يتم توسيعه إلى ضعف مساحته أيام العطل الأسبوعية ليصبح بمثابة صالة البلدة، وقد أنجزه رئيس البلدية وهو مزارع وصل إلى الحفل على متن جراره. كان صديقي دومينيك بوديس وكيلي.
قضينا أنا ولورانس بقية الشهر في الريف النورماندي وذهبنا إلى باريس في عيد رأس السنة قبل العودة إلى بيروت والحرب.
(يتبع)
الحلقة الثالثة عشرة: الفصل السابع (الطعام ، والرعب ، والشامبانيا القرنفلية)



